من حقول قصب السكر إلى أسواق الوقود.. «النينو» تفاقم أزمة الإيثانول في الهند
تواجه صناعة الإيثانول تحديات متزايدة في ظل تصاعد أزمة السكر العالمية، التي بدأت تداعياتها في الهند، قبل أن تمتد المخاوف إلى كبار المنتجين في البرازيل وأوروبا والولايات المتحدة، مع تراجع توقعات الإنتاج بفعل التقلبات المناخية وموجات الجفاف والحرارة الشديدة.
ظاهرة النينو
وبحسب تقرير حديث نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، واطلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة، تعرضت الهند لاضطرابات مناخية أثّرت في محصول قصب السكر، وسط تداعيات ظاهرة «النينو» التي أسهمت في تغيير أنماط هطول الأمطار، وأثارت مخاوف بشأن حجم المحصول المقبل.
وتأتي هذه التطورات بعد موسم سابق شهد أمطارًا غزيرة تسببت في أضرار للمحاصيل وانتشار الآفات، ما زاد الضغوط على قطاع السكر الهندي، في وقت ارتفعت فيه الأسعار وتزايدت المخاوف من نقص الإمدادات العالمية.
وتفاقمت الضغوط السعرية بالتزامن مع موسم الأعياد الهندوسية، الذي يشهد عادةً ارتفاعًا في الطلب على الحلويات، الأمر الذي عزز المخاوف بشأن توافر السكر واستقرار أسعاره في السوق المحلية.
أزمة السكر تضغط على إنتاج الإيثانول
لا تقتصر تداعيات أزمة السكر على الأسواق الغذائية، بل تمتد إلى قطاع الوقود الحيوي، مع تزايد المخاوف من اتجاه المصانع الهندية إلى زيادة إنتاج السكر على حساب الإيثانول، في ظل ارتفاع أسعار السكر وتحسن العوائد المتوقعة من بيعه.
ويُعد الإيثانول أحد البدائل الحيوية للبنزين، كما يُستخدم في خلطات الوقود لتقليل الاعتماد على المشتقات النفطية التقليدية. ومن ثم، فإن تراجع إنتاجه قد يعرقل خطط الهند الرامية إلى توسيع استخدام الوقود الحيوي وتنويع مصادر الطاقة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل مساعي نيودلهي لخفض واردات الوقود، بالتزامن مع استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ظاهرة «النينو» تفاقم أزمة السكر العالمية
كانت المنظمة الدولية للسكر، ومقرها لندن، قد حذرت في مايو/أيار الماضي من أن تفاقم تداعيات ظاهرة «النينو» قد يؤثر سلبًا في إنتاج السكر بالهند، ثاني أكبر منتج للسكر عالميًا وأكبر مستهلك له، مع احتمال حدوث عجز في السوق العالمية يُقدَّر بنحو 260 ألف طن.
وتُعد «النينو» ظاهرة مناخية دورية ترتبط بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ، ما يؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس وهطول الأمطار في مناطق مختلفة من العالم، وينعكس على الإنتاج الزراعي وتوليد الطاقة الكهرومائية في الدول التي تعتمد عليها.
ومع تصاعد المخاوف بشأن المحصول المحلي، اتخذت الحكومة الهندية إجراءات للحد من الضغوط على السوق، شملت حظر صادرات السكر حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، إلى جانب السماح، في أغسطس/آب، باستيراد السكر الخام دون رسوم جمركية، بهدف تعزيز المعروض المحلي والسيطرة على الأسعار.
كما فرضت السلطات قيودًا على حجم المخزونات التي يمكن للتجار وكبار المستهلكين الصناعيين الاحتفاظ بها، في إطار مساعيها لضبط السوق والحد من تفاقم الأزمة.
ارتفاع الأسعار ومخاوف من تراجع الإنتاج العالمي
انعكست المخاوف بشأن المعروض على أسعار السكر العالمية، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 15% على أساس سنوي خلال أكتوبر/تشرين الأول، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو».
وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، سجلت العقود الآجلة للسكر الخام في بورصة إنتركونتيننتال أعلى مستوياتها خلال 19 شهرًا، مقتربة من 21 سنتًا للرطل، وسط مخاوف من انخفاض الإنتاج في عدد من الدول الرئيسية المنتجة.
وتتصدر البرازيل، أكبر منتج للسكر في العالم، قائمة الدول التي تثير توقعات إنتاجها القلق في الأسواق، إذ تشير التقديرات إلى احتمال تراجع إنتاجها خلال موسم 2025-2026 إلى 39 مليون طن، مقابل توقعات سابقة بلغت 41 مليون طن، على خلفية الظروف المناخية غير المواتية.
وفي الهند، يُتوقع أن ينخفض الإنتاج إلى نحو 29 مليون طن خلال العام المنتهي في سبتمبر/أيلول 2027، مقارنة بنحو 31 مليون طن في الموسم السابق، وفق تقديرات رابطة مصنعي السكر والطاقة الحيوية الهندية.
وامتدت التوقعات السلبية إلى أوروبا والولايات المتحدة، إذ خفضت وزارة الزراعة الأميركية تقديراتها لإنتاج السكر في الاتحاد الأوروبي بنسبة 8% خلال موسم 2026-2027، كما قلّصت توقعاتها للإنتاج الأميركي بنسبة 0.8% خلال الموسم نفسه، إلى أدنى مستوى منذ موسم 2019-2020.
وتعزز هذه المؤشرات المخاوف من استمرار الضغوط على أسواق السكر، مع تزامن تراجع الإنتاج المتوقع في عدد من الدول مع ارتفاع الطلب، وهو ما قد يزيد المنافسة بين الاستخدامات الغذائية للسكر واستخدامه مادةً خامًا لإنتاج الوقود الحيوي.
تراجع الإيثانول قد يزيد الضغط على أسواق الوقود
يمثل تراجع إنتاج الإيثانول أحد أبرز المخاطر المرتبطة بأزمة السكر في الهند، إذ قد يؤدي تحول المصانع إلى إنتاج السكر بكميات أكبر إلى تقليص المعروض من الوقود الحيوي، وزيادة الاعتماد على البنزين لتلبية احتياجات النقل.
ويثير هذا الاحتمال مخاوف إضافية في ظل الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية، إذ إن انخفاض الإمدادات المتاحة من الإيثانول قد يحد من قدرة الهند على تحقيق مستهدفاتها المتعلقة بزيادة مزج الوقود الحيوي بالبنزين وتقليل الاعتماد على واردات الوقود التقليدي.
وفي المقابل، يواجه التوسع في استخدام الإيثانول تحديات تتعلق بملاءمة بعض المركبات لخلطات الوقود ذات التركيزات المرتفعة، لا سيما السيارات القديمة والدراجات النارية التي لم تُصمَّم محركاتها للعمل بمزيج يحتوي على 20% من الإيثانول.
وبحسب تقرير «نيويورك تايمز»، أبدى بعض مستخدمي الدراجات النارية مخاوف من تراجع كفاءة استهلاك الوقود بعد زيادة نسبة الإيثانول في البنزين، مشيرين إلى انخفاض المسافة التي تقطعها دراجاتهم من نحو 60 كيلومترًا إلى 45 كيلومترًا لكل لتر.
وتضع هذه التطورات قطاع الطاقة الحيوية في الهند أمام تحدٍ مزدوج؛ يتمثل في تأمين احتياجات السوق المحلية من السكر، والحفاظ في الوقت نفسه على إمدادات الإيثانول اللازمة لدعم خطط التحول نحو الوقود البديل، وسط تقلبات مناخية وضغوط متزايدة على أسواق الغذاء والطاقة العالمية.