مع اقتراب شهر "بؤونة".. كيف ترسم الشهور القبطية ملامح مواسم الحصاد والزراعة في مصر؟
تتأهب الأوساط الزراعية والمناخية في مصر لاستقبال شهر "بؤونة"، الشهر العاشر في التقويم المصري القديم (التقويم القبطي)، والذي يبدأ يوم الإثنين المقبل الموافق الثامن من يونيو لعام 2026.
ويستمر هذا الشهر على مدار ثلاثين يومًا كاملة لينتهي في السابع من يوليو المقبل، وسط حالة من الترقب نظرًا لارتباطه الوثيق والراسخ بالثقافة الزراعية والمناخية في الوجدان المصري؛ إذ يُعرف في الموروث الشعبي باسم "بؤونة الحجر" كناية عن اشتداد درجات الحرارة التي تجفف التربة وتجعلها صلبة كالأحجار، بالتزامن مع الدخول الفعلي للأجواء الصيفية وما يصاحبها من موجات حارة هامة لتسوية المحاصيل.
مكانة فلكية فريدة وتوقيت الانقلاب الصيفي
ويحمل شهر بؤونة مكانة خاصة للغاية في الحسابات الفلكية والجغرافية؛ حيث يشهد الحرم الفلكي خلاله ظاهرة الانقلاب الصيفي المقررة في الحادي والعشرين من يونيو، والتي يصل فيها النهار إلى أقصى طول له بينما يسجل الليل أقصر مدة في نصف الكرة الشمالي.
وتعد هذه التحولات الفلكية مؤشرًا رئيسيًا للمزارعين لتحديد ملامح الأنشطة الحقلية وتوزيع ساعات العمل والري، بما يضمن تفادي ذروة الإجهاد الحراري للنباتات والعمال على حد سواء، والحفاظ على معدلات الإنتاجية المستهدفة.
دلالات المثل الشعبي "نقل وتخزين المونة"
ويرتبط هذا الشهر تاريخيًا واقتصاديًا ببدء مرحلة حيوية من منظومة الأمن الغذائي المحلي، والتي يلخصها المثل الفلكلوري الشهير "بؤونة نقل وتخزين المونة".
ووفقًا لخبراء التراث والزراعة، كان الفلاح المصري يتفرغ في هذا التوقيت لنقل المحاصيل التي تم حصدها وتجفيفها تحت أشعة الشمس القوية، مثل الحبوب والغلال، لتخزين المؤونة المنزلية السنوية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية قبل انشغاله بموسم الزراعة التالي، فضلًا عن كونه التوقيت المثالي لفرز وجني عسل النحل الصيفي عالي الجودة المستخلص من زهور هذا الموسم.
التقويم القبطي كمرجع استراتيجي للقطاع الزراعي
وعلى الرغم من الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وأجهزة الرصد الجوي المتطورة، لا يزال التقويم القبطي -الذي يمثل الامتداد الفعلي للتقويم الفرعوني القديم المكون من 13 شهرًا- يمثل المرجع الأساسي والأكثر دقة للعاملين في قطاعي الزراعة والصيد في مصر.
وتثبت الحسابات الموروثة كفاءة عالية تفوق أحيانًا الأنظمة الحديثة في تحديد مواسم البذر، والحصاد، وتدفق المياه، مما يجعل من فهم هذه الشهور القبطية وتغيراتها المناخية ركيزة هامة لدعم استقرار المنظومة الزراعية وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي في البلاد.