"الذهب الأخضر" من الفراعنة إلى البورصات العالمية.. خبير ببحوث البساتين يطرح خريطة تعظيم القيمة المضافة للنباتات الطبية والياسمين المصري

النباتات الطبية والعطرية
النباتات الطبية والعطرية


تمتلك الدولة المصرية إرثاً تاريخياً ومقومات مناخية وجغرافية استثنائية في زراعة النباتات الطبية والعطرية، يمتد من الحضارة الفرعونية التي وظفت الأعشاب في التحنيط والطب والعطور، وصولاً إلى العصر الحالي الذي تحولت فيه هذه المحاصيل إلى أحد أهم ركائز التصدير غير التقليدية لجلب العملة الصعبة.

ورغم هذه المقومات، لا يزال التحدي الأكبر يكمن في التحول من التصدير الخام إلى التصنيع والتسويق لتعظيم القيمة المضافة.

واستعرض الدكتور محمد فتحي، الباحث بمعهد بحوث البساتين، جرى خريطة انتشار هذه النباتات، وفرص الاستثمار الواعدة، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع الزراعة، وسلط الضوء على السر وراء تربع الياسمين المصري على عرش صناعة العطور العالمية الفاخرة.

 

خريطة جغرافية متكاملة وتنوع إنتاجي فريد

 

أوضح الدكتور محمد فتحي أن التنوع المناخي في مصر سمح ببناء خريطة زراعية متكاملة تتوزع عبرها المحاصيل وفقاً لطبيعة كل منطقة؛ ففي مناطق الدلتا والمناخ المعتدل، تهيمن زراعة النعناع، والريحان، والبردقوش، وهي محاصيل تتميز بدورة إنتاج سريعة لا تتجاوز 3 أشهر، مما جعل مصر تتصدر عالمياً في صادرات النعناع المجفف.

بينما تشتهر محافظتا الفيوم وبني سويف بزراعة الشمر، واليانسون، الكراوية، ومحصول "البابونج" (الكاموميل) الذي يُصدر بكميات ضخمة إلى الأسواق الألمانية لصناعة الزيوت الطبية.

أما في المناطق الجافة وشبه الصحراوية مثل شمال سيناء ومطروح، فتتركز زراعة الأعشاب المتحملة للجفاف مثل المرمية، والزعتر، واللافندر، والروزماري، والتي تنتج زيوتاً عالية الجودة.

وفي الوادي الجديد وسيناء، يبرز صباغ "الألوفيرا" الطبي المستخدم في مستحضرات التجميل، في حين تمتاز محافظات جنوب الصعيد، ولا سيما أسوان والأقصر، بزراعة الليمون العشبي والريحان الحلو الموجه طازجاً للأسواق الأوروبية.

 

فجوة الأرباح بين تصدير الخام والزيوت العطرية

 

وفيما يتعلق بحجم الإنتاج، أشار الباحث بمعهد بحوث البساتين إلى أن المساحة المنزرعة بالنباتات الطبية والعطرية بلغت نحو 120 ألف فدان، بعائدات تصديرية سنوية تتراوح بين 300 و400 مليون دولار، وتأتي دول ألمانيا، وأمريكا، والسعودية، وإيطاليا في مقدمة الأسواق المستوردة.

ورغم أن مصر تحتل المركز الثالث عالمياً في تصدير الأعشاب المجففة بعد الهند والصين، إلا أنها تأتي في المرتبة الثانية عشرة فقط في تصدير الزيوت العطرية المصنعة.

وعزا الدكتور فتحي تدني العائد مقارنة بحجم الإنتاج إلى أن 85% من المحاصيل المصرية تُصدر خاماً في صورة أعشاب مجففة، بينما تستأثر الدول المستوردة بالأرباح الحقيقية عبر عمليات التقطير والتعبئة؛ حيث يتراوح سعر طن الأعشاب المجففة بين 1500 و4000 دولار، في حين يقفز سعر نفس الكمية بعد تصنيعها واستخراج زيوتها العطرية إلى ما بين 18 ألفاً و120 ألف دولار.

وتتوزع نسب أهم الأصناف المصدرة بين النعناع بنسبة 28%، والبابونج 19%، والبردقوش 14%، واليانسون 11%، والريحان 9%.

 

تحديات السوق ومقترحات تعظيم الربحية

 

واستعرض الحوار أبرز العقبات التي تواجه المزارعين، وفي مقدمتها سيطرة الوسطاء على الأسواق وتدني أسعار الشراء من الفلاح، بالإضافة إلى رصد بعض حالات الرفض للشحنات في الموانئ الأوروبية جراء بقايا المبيدات، مما يستدعي التوسع في تطبيق شهادات الجودة العالمية مثل "Global G.A.P".

كما تمثل التكلفة العالية لإنشاء مصانع التقطير -والتي تتراوح بين 2 و3 ملايين جنيه- عائقاً يمكن تجاوزه عبر تدشين محطات تقطير مركزية أو تفعيل دور التعاونيات الزراعية.

وأكد الخبير أن محاصيل مثل الريحان، والبردقوش، والبابونج، والروزماري، واللافندر، والمورينجا، تعد الأعلى ربحية نظراً للطلب المتزايد عليها في صناعة المكملات والزيوت العضوية، خاصة في ظل القيود الأوروبية الصارمة على المبيدات.

وأشار إلى وجود فرص واعدة عبر التوسع في منظومة الزراعة التعاقدية مع الشركات الكبرى، وتوجيه الصادرات نحو الأسواق الإفريقية الناشئة مثل نيجيريا وكينيا، فضلاً عن تلبية احتياجات الفنادق والمنتجعات السياحية في البحر الأحمر وشرم الشيخ التي بدأت تعتمد على الزيوت المحلية في خدمات العلاج الطبيعي.

 

"شبرا بلولة".. العاصمة العالمية لإنتاج الياسمين


وفي ختام حديثه، أفرد الدكتور محمد فتحي مساحة خاصة لـ "الياسمين المصري"، مؤكداً أن مصر تمثل حالة استثنائية بإنتاجها ما يقرب من 50% من عجينة وزيت الياسمين المخصص لصناعة العطور الفاخرة حول العالم.

وتعد قرية "شبرا بلولة" بمركز قطور في محافظة الغربية العاصمة العالمية لهذه الزراعة، حيث تضخ منفردة نحو 10 أطنان من الزهور يومياً خلال مواسم الذروة.

وأرجع التميز العالمي للياسمين المصري إلى خصوبة تربة الغربية، والاعتماد على الحصاد اليدوي الليلي الذي يبدأ من الثانية صباحاً وحتى الثامنة صباحاً لحماية الزهور من أشعة الشمس التي تقلل من تركيز المادة العطرية، فضلاً عن ارتفاع نسبة مادة "الجاسمون" المسؤولة عن الرائحة النفاذة والفاخرة.

واختتم بالإشارة إلى أن شجرة الياسمين تعد من الأشجار المعمرة المنتجة لأكثر من 30 عاماً، ويُصدر زيتها الفاخر مباشرة إلى فرنسا، وسويسرا، وأمريكا، ليدخل في تركيب أشهر العطور العالمية، حيث يتراوح سعر الكيلوجرام الواحد من زيت الياسمين بين 800 و1500 دولار وفقاً لمستويات الجودة.

 

تم نسخ الرابط