الشعير المستنبت.. ثورة زراعية واعدة لخفض تكاليف الأعلاف بنسبة 50% واستصلاح الأراضي الصحراوية
يبحث قطاع الثروة الحيوانية في مصر دائمًا عن حلول مبتكرة لمواجهة الارتفاع العالمي في أسعار مدخلات الإنتاج، وفي مقدمتها تكاليف التغذية.
وفي هذا السياق، أكد خبراء الإنتاج الحيواني أن الاعتماد على تكنولوجيا "الشعير المستنبت" بات يُمثل البديل الأمثل والحل الاقتصادي الأبرز لتغذية الحيوانات في المرحلة الراهنة.
وأوضح الخبراء أن هذا المحصول المبتكر يمتلك القدرة على توفير ما يقارب نصف العليقة اليومية المقدمة لحيوانات التسمين، مما يمنحه جدوى اقتصادية استثنائية للمربين والمزارعين من خلال خفض النفقات التشغيلية المباشرة بنسبة تصل إلى 50%، فضلاً عن تعزيز قدرات الأمن الغذائي المحلي.
الآلية الفنية لإنتاج المحصول بنظام الزراعة بدون تربة
تعتمد صناعة الشعير المستنبت على تكنولوجيا متطورة للزراعة بدون تربة (الهيدروبونيك)، والتي تتم داخل غرف وصوب بيئية مغلقة ومخصصة للإنبات، حيث يتم التحكم رقميًا في توفير الظروف الطبيعية اللازمة من مياه ورطوبة وإضاءة.
ولضمان نجاح هذه الدورة الإنتاجية، حدد قطاع الإنتاج الحيواني بوزارة الزراعة مجموعة من الخطوات الصارمة، تبدأ بنقع حبوب الشعير في المياه لمدة لا تتجاوز 10 ساعات خلال فصل الصيف، تعقبها تصفية الحبوب وتعريضها للهواء الطلق لمدة ساعة لخفض الرطوبة.
بعد ذلك، يُغمر الشعير في إناء مغلق ومثقب لمدد تتراوح بين 12 إلى 24 ساعة، ثم تُغطى الحبوب بقطع قماش مبللة ومعقمة، مع مراعاة ألا يتجاوز سمك طبقة الشعير المكمور 15 سنتيمتراً لتفادي العفن، ويتم تقليبها وشطفها وتجفيفها بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات يومياً، لتظهر البراعم خلال ثلاثة أيام، وتصبح البادرات جاهزة تماماً كعلف عالي القيمة الغذائية بمجرد وصول طولها إلى ما بين 30 و35 سنتيمتراً.
المكاسب الاقتصادية والقيمة الغذائية والصحية للثروة الحيوانية
يُمثل هذا المحصول المستنبت مشروعاً استراتيجياً للمستقبل نظراً لتنوع استخداماته في التغذية الحيوانية والداجنة، حيث يعطي كل كيلو جرام من الشعير الجاف إنتاجية مضاعفة تتراوح بين 6 إلى 8 كيلو جرامات من العلف المستنبت الأخضر.
وتنعكس هذه المنظومة إيجابياً على معدلات الإنتاج، إذ تساهم في زيادة إدرار الألبان بنسبة تصل إلى 25%، فضلاً عن رفع معدلات نمو اللحوم الحمراء بمقدار 300 جرام يومياً في خراف التسمين.
وتتميز هذه الأعلاف بسهولة الهضم وارتفاع معدلات التمثيل الغذائي مقارنة بالأعلاف الجافة التقليدية، إلى جانب دورها في ترشيد استهلاك مياه الري وتوفير نسب عالية من الألياف، البروتين، الفيتامينات، ومضادات الأكسدة التي تحسن صحة الهضم، وتقلل مستويات الكوليسترول وضغط الدم لدى الماشية، مما يقلل من وطأة الأمراض.
وفي هذا الصدد، أشار الدكتور السيد عويس عمران، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة قناة السويس، إلى أن المشروع يعد نموذجاً عملياً لمستقبل الزراعة المستدامة في مصر لجمعه بين الكفاءة الاقتصادية وخفض الانبعاثات الكربونية.
تحدي التغيرات المناخية والزراعة في البيئات الهامشية والقاسية
تتجلى العبقرية الزراعية لمحصول الشعير في قدرته الفائقة على النمو والإنتاج داخل البيئات الصعبة والأراضي الهامشية التي لا تجود فيها المحاصيل الأخرى، مثل الأراضي الصحراوية الصفراء، والرملية، والجيرية، وحتى المناطق المطرية ونهايات الترع في سيناء والساحل الشمالي.
ويمتاز الشعير بتحمله العالي للملوحة حتى 6000 جزء في المليون، فضلاً عن مقاومة العطش والصقيع، مما يجعله أداة رئيسية لاستصلاح التربة الملحية.
ورغم استقرار المساحة المنزرعة بالشعير في الأراضي القديمة عند 60 ألف فدان، فقد نجحت الدولة في إضافة 250 ألف فدان جديدة في المناطق المستصلحة حديثاً.
ومن جانبها، أفادت الدكتورة شرين فليب، رئيس قسم أمراض الشعير بمعهد بحوث أمراض النبات، بأن إنشاء صوبة صغيرة بمساحة 50 متراً فقط تعتمد على مخلفات الحقل (مثل التبن أو قش الأرز)، يمكن أن تحقق إنتاجية سنوية تعادل ما ينتجه 7 أفدنة كاملة من البرسيم التقليدي، من خلال حش المحصول كل 10 أيام.
محددات موسم الحصاد واستراتيجيات مكافحة الأمراض والآفات
يمتد الموسم التقليدي لزراعة الشعير من منتصف نوفمبر إلى منتصف ديسمبر، على أن تنطلق عمليات الحصاد خلال فصل الربيع في أواخر شهري أبريل ومايو، حيث تستغرق الدورة الزراعية ما بين 150 إلى 160 يوماً، وتنخفض إلى 120 يوماً فقط عند استخدام الصنف المتطور "الصحراوي هجين 100".
وتواجه زراعة الشعير بعض التحديات الفطرية مثل أمراض أصداء الأوراق والساق، والتبقع الشبكي، والتي تنشط مع زيادة الرطوبة، ويتم مكافحتها بالمبيدات الموصى بها.
وعلى صعيد الآفات الحشرية، تبرز حشرة "المن" التي تنقل فيروس التقزم وتفرز ندوة عسلية ضارة، ويتم مواجهتها بخلط المبيدات المعتمدة بالمياه، بالإضافة إلى حشرة "الحفار" التي تستهدف نخر الجذور، ويتم القضاء عليها عبر تكتيك الطعوم السامة الموزعة عند الري قبل غروب الشمس مباشرة لحماية نظام الجذر.
التوصيات والإرشادات الرسمية لرفع الإنتاجية ودعم المزارعين
وفي إطار الدعم الفني والإرشادي المستمر للمزارعين، أصدر معهد بحوث أمراض النبات حزمة من التوصيات الرسمية الإلزامية لضمان تحقيق أعلى إنتاجية للفدان وتفادي الإصابات الحشرية والفطرية.
وتضمنت التوصيات ضرورة استخدام تقاوي وبذور معتمدة ونقية تماماً وخالية من الحشائش الضارة (خاصة عشبة الزمير) من خلال منافذ الإدارة المركزية لإنتاج التقاوي، مع ضرورة اتباع دورة زراعية تسبقها زراعة البرسيم لرفع خصوبة التربة طبيعياً.
كما شدد المعهد على تطبيق تقنية "الرية الكدابة" في الأراضي الموبوءة بالحشائش لتحفيزها على النمو ثم التخلص منها بالحرث قبل نثر البذور، بالإضافة إلى الالتزام بالتسميد الفوسفاتي الأساسي بمعدل 25 كيلو جراماً للأراضي القديمة و30 كيلو جراماً للأراضي الرملية، مع تنفيذ "رية المحاياة" الأولى بعد 20 يوماً من الزراعة وإضافة 45 وحدة من الأسمدة الأزوتية لضمان نمو متوازن وقوي للمحصول.