بطيخ قلابشو.. معايشة ميدانية ترصد صرخة المزارعين بين مقصلة الشائعات وخسائر الموسم الشاق
مع أول خيوط الفجر، وقبل أن تشتد حرارة الشمس فوق الأراضي الزراعية، كانت أصوات الزغاريد تتردد بين حقول البطيخ بمنطقة قلابشو التابعة لمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، معلنة بدء موسم الحصاد الذي انتظره الفلاحون لأشهر طويلة.
هذا المشهد الذي اعتادت عليه المنطقة عامًا بعد عام، حيث تتحول الحقول إلى خلية نحل لا تهدأ بمشاركة الرجال والنساء والأطفال لجمع المحصول الذي يمثل مصدر الرزق الرئيسي لعشرات الأسر، امتزج هذا العام بدموع القلق والحسرة؛ إثر أزمات متلاحقة بدأت بشائعات السوشيال ميديا ولم تنتهِ عند حدود الخسائر الميدانية.
وفي جولة ميدانية داخل الحقول، رصدت الكاميرات حالة من القلق البالغ واستغاثات عاجلة للمسؤولين، بعدما وجد المزارعون أنفسهم في مواجهة حرب شائعات شرسة ضربت حركة البيع والشراء في مقتل.
المزارعون يردون على شائعات السوشيال ميديا: "بناكل عيالنا منه وكلوه على ضمانتي"
خلال الأيام الماضية، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعم فيه صاحبه (والذي تبين لاحقًا أنه تاجر مواشي يحاول ضرب الموسم) أن المزارعين يخصصون جزءًا معينًا من محصول البطيخ لتناوله داخل منازلهم، بينما يتم رش باقي المحصول بمبيدات مسرطنة قبل طرحه للبيع.
وداخل الحقول، جاء الرد حاسمًا وممتزجًا بالمرارة؛ حيث قال مرزوق، أحد مستأجري الأراضي:
"والله يا جماعة إحنا تعبنا طول السنة وطول عمرنا شقيانين، بنصحى من الفجرية وبنرجع آخر الليل عشان ولادنا، وفي الآخر تطلع إشاعة عارية تمامًا من الصحة تدمرنا وتضيع شقانا، ده ميرضيش ربنا أبدًا".
بينما أضافت زوجته بتأثر شديد:
"إحنا بناكل من البطيخ ونأكله لعيالنا قبل ما نبيعه، ولو وحش أو مرشوش مش هنأكل عيالنا منه، إحنا نعرف ربنا وعمرنا ما نضر غيرنا أبدًا.. كلو البطيخ على ضمانتي".
سمعة "بطيخ قلابشو" تاريخية.. وتجار المحافظات يشهدون بالجودة
وأكد المزارعون أن سمعة "بطيخ قلابشو" لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سنوات من الالتزام؛ حيث يشتهر المحصول بطعمه السكري المميز، ونضجه الطبيعي، ورقة سمك القشرة.
وهو ما جعل القرية قبلة تجارية يتوافد عليها التجار من مختلف محافظات الجمهورية؛ مثل الإسكندرية، العريش، أسيوط، الأقصر، وأسوان، للحصول على كمياتهم وحجزها مسبقًا.
لغز تراجع الإنتاج.. 3 أسباب محتملة والخسائر تلاحق الفلاحين
بعيدًا عن أزمة الشائعات، كشفت المعايشة الميدانية عن أزمة فنية أعمق تؤثر على حجم المحصول النهائي؛ حيث شهدت بعض النباتات تباطؤًا في النمو، ولم تصل الثمار إلى الأحجام المتوقعة.
والمثير في الأمر أن المزارعين أنفسهم لا يملكون إجابة حاسمة حول السبب الحقيقي وراء تلك الخسائر، وينحصر اللغز بين ثلاثة احتمالات رئيسية:
- أزمة الشتلات: فرضية تشير إلى احتمالية وجود عيوب إنتاجية أو وراثية في الشتلات التي تم شراؤها مع بداية الموسم.
- المبيدات المغشوشة: مخاوف من تأثير بعض المركبات الكيميائية والمبيدات المتداولة بالأسواق على قوة نمو النبات.
- التغيرات المناخية: احتمالية تأثر المحصول بالموجات الجوية المتقلبة والرياح الشديدة التي ضربت المنطقة في فترات حرجة من عمر النبات.
مطالب عاجلة لوزير الزراعة وتشديد الرقابة على سوق المبيدات
وفي حديث اتسم بالانفعال والغيرة على قوت يومهم، وجه مزارعو قلابشو نداءً عاجلاً إلى السيد وزير الزراعة ومسؤولي الإرشاد الزراعي، يتضمن حزمة من المطالب المشروعة:
- النزول الميداني: تفعيل دور الإرشاد الزراعي على أرض الواقع والنزول للحقول بدلاً من المتابعة المكتبية، والوقوف على أسباب الخسائر عبر دراسة فنية متخصصة.
- إحكام الرقابة على سوق المبيدات: تشديد الرقابة على الجمعيات الزراعية ومحلات بيع التقاوي والمبيدات، والتأكد من تراخيصها ومطابقة عبواتها للمواصفات والتركيزات المدونة عليها، لحماية الفلاح البسيط من المنتجات المغشوشة.
- الفحص العلمي للمحصول: إرسال لجان علمية تأخذ عينات من التربة والنبات لتحديد السبب الحقيقي وراء عدم نمو الثمار بشكل طبيعي، لتفادي تكرار الأزمة في المواسم المقبلة.
وبين فرحة حصاد يهددها شبح الركود، وقلق مستمر من خسائر مادية فادحة، تبحث حقول قلابشو عن ذراع حكومية تنتشلها من الأزمة، وتحسم بتقرير علمي قاطع الجدل الدائر لحماية آلاف الأفدنة التي تعيش عليها مئات الأسر الريفية.