هاني سويلم: شراكة استراتيجية جديدة مع اليابان لدعم الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0
لم تكن زيارتي الأخيرة إلى اليابان هي الأولى؛ فقد سبق أن زرتها أستاذًا بجامعة آخن في ألمانيا، للمشاركة في التعاون البحثي والأكاديمي وتبادل أحدث مخرجات البحث العلمي. لكن زيارتي هذه المرة وزيرًا للموارد المائية والري حملت مسؤولية مختلفة تمامًا، وغيرت زاوية النظر إلى كل ما شاهدته وناقشته.
في زياراتي السابقة، كان الاهتمام منصبًا بصورة أساسية على البحث العلمي وتبادل المعرفة بين الجامعات والمؤسسات البحثية في اليابان وألمانيا. أما هذه المرة، فقد ذهبت ممثلًا لدولة تمتلك خبرة متراكمة عبر آلاف السنين في إدارة واحدة من أكثر المنظومات المائية تعقيدًا في العالم، ولدي شغف بأن أعرض التجربة المصرية، وأن أعود إلى الوطن بأفكار وحلول وأدوات قابلة للتطبيق تسهم في تطوير منظومتنا المائية.
كان هدفي أيضًا أن نضع إطارًا مؤسسيًا يحكم التعاون بين مصر واليابان في مجال المياه، بما يتيح الانتقال من تبادل الخبرات والزيارات الفنية إلى تنفيذ برامج ومشروعات مشتركة، خاصة في ظل التحول الذي تنفذه الوزارة إلى الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0، والقائم على التكنولوجيا الحديثة، والإدارة الذكية للمنشآت، والاعتماد على البيانات، وتعزيز القدرة على التنبؤ واتخاذ القرار.
وجاءت الزيارة تلبيةً لدعوة خاصة من السيدة/ يوكو كاميكاوا، المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الياباني لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، والسيد/ ياسوشي كانيكو، وزير الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة الياباني والوزير المعني بسياسات المياه، وتضمنت عددًا من الزيارات الفنية واللقاءات رفيعة المستوى، إلى جانب المشاركة في فعاليات دولية وتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون بين البلدين.
إدارة ذكية للمنشآت المائية
كانت أولى المحطات الميدانية زيارة منظومة إدارة نهر Tone River، حيث اطلعت على منظومة متكاملة تخدم منطقة طوكيو الكبرى، وتشمل السدود والقناطر والترع ومنشآت الحماية من الفيضانات، وتدار من خلال نظم متقدمة للرصد والقياس والتشغيل والتحكم.
وتناولت المناقشات نظم الرصد اللحظي، والتشغيل والتحكم عن بُعد، وتوزيع المياه بين الاستخدامات المختلفة، ومنظومات دعم اتخاذ القرار والإنذار المبكر، فضلًا عن الجوانب البيئية المرتبطة بإدارة النهر والحفاظ على كفاءة المنشآت واستدامتها.
وما شاهدته في هذه المحطة لا يمثل تجربة يمكن نقلها بصورة حرفية إلى مصر، وإنما نموذجًا يمكن الاستفادة من أدواته وتكييفها وفقًا لطبيعة المنظومة المائية المصرية. ويمكن للتعاون مع الجانب الياباني أن يدعم تطوير نظم التحكم والتشغيل في عدد من المنشآت المائية، خاصة القناطر القديمة، إلى جانب تدريب مهندسي الوزارة على استخدام الأدوات الرقمية الحديثة في إدارة وتشغيل ومتابعة المنشآت.
وهذا الاتجاه يتوافق مع خطط الوزارة للتحول من الإدارة التقليدية إلى إدارة أكثر اعتمادًا على البيانات والقياس اللحظي والتحكم الذكي، بما يرفع كفاءة التشغيل، ويساعد على سرعة التعامل مع المتغيرات، ويدعم اتخاذ القرار على أسس علمية دقيقة.
الأقمار الصناعية في خدمة إدارة المياه
كانت المحطة الثانية زيارة وكالة استكشاف الفضاء اليابانية JAXA، حيث اطلعت على دور الوكالة في تطوير وتشغيل الأقمار الصناعية المخصصة لرصد الأرض، وتوظيف البيانات الفضائية في متابعة الأمطار والسيول ورطوبة التربة والغطاء النباتي، ودعم إدارة الموارد المائية والحد من مخاطر الكوارث.
كما تم استعراض منظومة GSMaP لرصد وتقدير معدلات سقوط الأمطار على المستوى العالمي، والتي تعتمد على بيانات مجموعة من الأقمار الصناعية ضمن بعثة القياس العالمي للهطول GPM، وتوفر بيانات شبه لحظية وسجلات تاريخية للأمطار، بما يدعم المناطق التي تعاني محدودية أو عدم كفاية شبكات الرصد الأرضية.
وتكتسب هذه الأدوات أهمية كبيرة بالنسبة لمصر في المرحلة الحالية، خاصة مع توجه الوزارة نحو الانتقال من الاعتماد على قياس المناسيب وحدها إلى إدارة أكثر دقة تقوم على حساب التصرفات والكميات الفعلية للمياه. كما يمكن توظيف البيانات الفضائية في تطوير أدوات تقدير التركيب المحصولي، وحساب الاحتياجات المائية الفعلية للزراعات، بما يساعد على تحسين توزيع المياه ورفع كفاءة استخدامها.
ويمكن كذلك الاستفادة من تطبيقات الأقمار الصناعية في تطوير منظومة متابعة الأمطار على دول حوض النيل، وتعزيز نظم التنبؤ الهيدرولوجي، من خلال دمج البيانات الفضائية مع محطات الرصد الأرضية والنماذج الرياضية. ويتيح هذا التكامل توفير معلومات أكثر دقة لدعم القرار، وتحسين الاستعداد للظواهر الجوية المتطرفة، والحد من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية.
من البحث العلمي إلى التطبيق العملي
أما المحطة الثالثة، فكانت زيارة المركز الدولي لإدارة مخاطر المياه والكوارث ICHARM، التابع لمعهد أبحاث الأشغال العامة الياباني PWRI.
ويقدم المركز دعمًا للعديد من الدول في مجالات الحد من مخاطر الفيضانات والكوارث المرتبطة بالمياه، من خلال الجمع بين البحث العلمي وبناء القدرات وتبادل المعرفة، إلى جانب تطوير النماذج الهيدرولوجية، وأدوات التنبؤ بالفيضانات، وخرائط مخاطر الغمر، ونظم دعم اتخاذ القرار.
كما يعمل المركز على تقييم تأثيرات التغيرات المناخية على الموارد المائية، وتنفيذ برامج تدريبية وبحثية تستهدف المهندسين والباحثين والمسؤولين الحكوميين، بما يساعد المؤسسات الوطنية على تحسين التخطيط والاستعداد والتعامل مع الظواهر المائية المتطرفة.
وكانت هذه المحطة من أكثر محطات الزيارة أهمية؛ لأنها قدمت نموذجًا واضحًا لكيفية توجيه البحث العلمي نحو حلول عملية قابلة للتطبيق. فالقيمة الحقيقية للبحث لا تقتصر على نشر الدراسات، وإنما تمتد إلى تحويل نتائجها إلى أدوات وسياسات وإجراءات تساعد متخذي القرار على حماية المجتمعات وإدارة المخاطر بصورة أكثر كفاءة.
ويمكن الاستفادة من هذه الخبرات في تطوير منظومة الحماية من أخطار السيول والتكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة التي تتعرض لها بعض المناطق الساحلية والمحافظات المصرية، خاصة سيناء ومطروح ومحافظات الصعيد. كما يمكن تنظيم برامج تدريبية لمهندسي الوزارة على استخدام أدوات التنبؤ وخرائط المخاطر والنماذج الحديثة في إدارة السيول وتأثيرات التغيرات المناخية على قطاعات المياه المختلفة.
التجربة المصرية أمام المجتمع الدولي
وخلال الزيارة، شاركت في الجلسة رفيعة المستوى ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين لـ«يوم المياه» و«أسبوع المياه» باليابان، بحضور *جلالة إمبراطور اليابان* وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين وممثلي المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بالمياه والتنمية.
وكانت هذه المشاركة فرصة لعرض أبرز ملامح التجربة المصرية في الإدارة المتكاملة للموارد المائية، في ظل ما تواجهه مصر من تحديات نتيجة محدودية الموارد وارتفاع الاحتياجات المائية وتأثيرات التغيرات المناخية.
واستعرضت النهج الذي تتبناه الدولة المصرية لتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، وفي مقدمته التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي من خلال مشروعات المعالجة الكبرى، بما يسهم في سد جزء من الفجوة المائية، ويدعم التنمية الزراعية، ويعكس انتقال الدولة إلى إدارة أكثر تكاملًا وكفاءة للموارد المتاحة.
كما عرضت تجربة مصر في تعزيز الإدارة التشاركية من خلال روابط مستخدمي المياه، التي تتيح للمنتفعين المشاركة في إدارة وتشغيل وصيانة شبكات الري، بما يرفع كفاءة الإدارة ويعزز شعور المستخدمين بالمسؤولية تجاه المنشآت والموارد المائية.
وتناولت كذلك أهمية الحوكمة المؤسسية والتنسيق بين مختلف الجهات، والدور المحوري للمجلس القومي للمياه في تحقيق التكامل بين السياسات والبرامج المرتبطة بالمياه.
وطرحت مفهوم «المياه والشمس والرمال» باعتباره أحد الحلول المستقبلية الواعدة لتعزيز الأمنين المائي والغذائي، من خلال استخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه المالحة، واستغلال الأراضي القابلة للاستصلاح في التوسع الزراعي، مع تعزيز دور القطاع الخاص في تعبئة الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتنفيذ المشروعات.
وكان من المهم أن نؤكد خلال هذه الفعاليات أن مصر لا تأتي إلى اليابان لتتلقى الخبرة فقط، وإنما تأتي كذلك بما لديها من معرفة وتجارب وممارسات يمكن تبادلها. فالتعاون الناجح لا يقوم على اتجاه واحد، بل على تبادل الخبرات وتحقيق المنفعة المتبادلة.
تنسيق مصري ياباني لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026
وشملت الزيارة عددًا من اللقاءات المهمة، في مقدمتها اللقاء مع السيدة يوكو كاميكاوا، لبحث تعزيز التنسيق المشترك في الإعداد لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، ومتابعة التحضيرات الخاصة بالحوار التفاعلي «المياه والكوكب»، الذي تتولى مصر واليابان رئاسته المشتركة.
وقد بدأ التعاون المصري الياباني في قيادة الحوار العالمي بشأن المياه والمناخ منذ عام 2023، وأصبح نموذجًا لقدرة البلدين على الجمع بين الخبرة الفنية والرؤية السياسية، والعمل المشترك من أجل إطلاق مبادرات قابلة للتنفيذ، تحقق أثرًا ملموسًا وتترك إرثًا مستدامًا بعد انتهاء المؤتمر.
كما كانت الفعاليات التي شرفها جلالة إمبراطور اليابان فرصة للتأكيد على تطور التعاون بين مصر واليابان، وعلى أهمية مواصلة العمل المشترك بشأن قضايا المياه والمناخ، ودعم الاستعدادات الدولية لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في نهاية العام.
من تبادل الخبرات إلى شراكة مؤسسية
بعد الزيارات الفنية واللقاءات رفيعة المستوى، كان من الضروري وضع إطار مؤسسي يحول ما تم بحثه إلى خطوات وبرامج عملية. وقد تجسد ذلك في توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الموارد المائية والري المصرية، ووزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة اليابانية، ووزارة الزراعة والغابات والثروة السمكية اليابانية.
وتهدف المذكرة إلى تعزيز تبادل الخبرات، وتنفيذ البعثات الفنية والزيارات الدراسية، ودعم البحوث المشتركة، وتعزيز الابتكار، وتطوير التعاون المؤسسي وبناء قدرات العاملين في قطاع المياه.
كما تفتح المذكرة المجال للتعاون في مجالات الإدارة الذكية للمنشآت المائية، والتحول الرقمي، والتنبؤ بالفيضانات والسيول، والاستشعار عن بُعد، ورفع كفاءة الري، وتحسين إنتاجية المياه، وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والنماذج الرقمية في التشغيل والمتابعة.
وتتمتع مصر في مجال المياه بخبرات تراكمية ومكانة دولية جعلتها شريكًا مهمًا لليابان، وهو ما تجسد خلال السنوات الماضية في الشراكة المصرية اليابانية لقيادة الحوار الدولي بشأن المياه والمناخ. وبتوقيع مذكرة التفاهم، نبدأ مرحلة جديدة مرشحة للتطور إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد في مجالات المياه المختلفة، تقوم على الثقة المتبادلة وتبادل المعرفة وتنفيذ أنشطة مشتركة قابلة للتطبيق.
ما بعد الزيارة
ما يجعل اليابان دولة متميزة ليس فقط ما وصلت إليه من تقدم تكنولوجي، وإنما أيضًا الثقافة التي تقف وراء هذا التقدم؛ ثقافة الدقة والانضباط واحترام الوقت والنظام والعمل الجماعي والاهتمام بالتفاصيل.
وقد لمست خلال الزيارة تقديرًا حقيقيًا لمصر، واحترامًا لخبراتها في إدارة المياه، وانفتاحًا واضحًا على توسيع التعاون بين البلدين. ولهذا أفهم لماذا يصف البعض اليابان بأنها «كوكب مختلف»؛ فالتكنولوجيا هناك ليست منفصلة عن السلوك اليومي، وإنما هي نتاج منظومة متكاملة من القيم والعمل والانضباط.
عدت من اليابان بأفكار وأدوات وفرص تعاون، ولكن الأهم أنني عدت بإطار مؤسسي يساعدنا على تحويل هذه الفرص إلى برامج عملية. والنجاح الحقيقي للزيارة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو المواقع التي تمت زيارتها، وإنما بما سنتمكن من تنفيذه على أرض الواقع، وبمدى انعكاس هذا التعاون على تطوير منظومة المياه في مصر، وبناء قدرات مهندسينا، وتحسين قدرتنا على مواجهة تحديات المستقبل.
وما كان لهذا البرنامج المكثف أن يحقق أهدافه بالصورة المرجوة دون ما قدمه فريق العمل من دعم وتنسيق وحرفية. ومن هنا، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى السفير راجي الإتربي، سفير جمهورية مصر العربية لدى اليابان، والسكرتير الثاني أحمد رأفت عبد الرحيم، وجميع أعضاء السفارة المصرية في طوكيو، وكذلك إلى المهندس مصطفى سنوسي، مساعد الوزير لمياه النيل، والمهندس عبد الرحيم يحيى، من مكتب الوزير، على ما قدموه من دعم وتنسيق متميز أسهم في تيسير مهمة الوفد وإنجاح برنامج الزيارة، وما اتسم به أداؤهم من دقة واحترافية وحرص على إظهار مصر بالصورة التي تليق بها.





