«التريكوجراما».. سلاح حيوي لمكافحة ديدان اللوز وتقليل الاعتماد على المبيدات
تتجه أساليب مكافحة الآفات الزراعية خلال السنوات الأخيرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على وسائل المكافحة الحيوية، باعتبارها أحد الحلول الآمنة للحد من أضرار الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية، والحفاظ على البيئة وصحة الإنسان، ومن بين أبرز هذه الوسائل استخدام طفيل «التريكوجراما» لمكافحة ديدان اللوز التي تعد من أخطر الآفات التي تهدد محصول القطن.
ويعد طفيل التريكوجراما من أهم الأعداء الحيوية الطبيعية للعديد من الآفات، حيث يعتمد في مكافحته على التطفل على بيض الحشرات، ما يؤدي إلى القضاء على الآفة قبل خروج اليرقات التي تتسبب في إحداث أضرار بالمحصول، الأمر الذي يجعله أحد العناصر المهمة في برامج المكافحة المتكاملة للآفات.
وتتميز التريكوجراما بصغر حجمها، وتكمل دورة حياتها داخل بيض الحشرة العائل، وتتطفل بصورة أساسية على بيض الفراشات وبعض أنواع الحشرات الأخرى، كما يمكن استخدامها في مكافحة العديد من الآفات التي تصيب محاصيل القطن والأرز والذرة وقصب السكر والفاكهة والخضراوات.
وتبدأ عملية المكافحة عندما تبحث أنثى التريكوجراما عن بيض الآفة، مستعينة بالإشارات الكيميائية والخصائص الخارجية للبيض، ثم تقوم بثقب قشرة البيضة ووضع بيضها بداخلها، لتتغذى اليرقة الناتجة على محتويات بيضة الآفة، ما يؤدي في النهاية إلى إتلافها ومنع فقسها وخروج اليرقة الضارة بالمحصول.
ويستغرق تطور التريكوجراما نحو 10 أيام عند درجة حرارة 25 درجة مئوية، وخلال هذه الفترة تتحول البيضة المتطفل عليها إلى اللون الأسود، وهو ما يعد علامة واضحة على حدوث التطفل، بينما تشير الثقوب الموجودة في البيضة إلى خروج الطفيل الكامل منها.
وتكمن أهمية استخدام التريكوجراما في إمكانية إطلاقها مبكرًا في الحقول، قبل وصول الآفة إلى مستويات الإصابة المرتفعة، حيث يفضل بدء برنامج الإطلاق مع ظهور أول فرع ثمري، بما يسمح بوجود الطفيل في الحقل بالتزامن مع بداية وضع الآفة لبيضها.
وتتراوح أعداد الطفيل المستخدمة في الإطلاق الواحد بين 25 ألف طفيل للهكتار في بداية البرنامج، ويمكن زيادة المعدلات تدريجيًا لتصل إلى نحو 30 إلى 60 ألف طفيل للهكتار مع تقدم عمر النبات وظهور فرص أكبر للإصابة، وفقًا لمستوى الإصابة والظروف الموجودة بالحقل.
وفي المعتاد، يمكن تنفيذ نحو 4 إلى 6 إطلاقات، تفصل بينها فترة تتراوح بين 8 و10 أيام، مع مراعاة تجهيز كروت الإطلاق بأعمار مختلفة من الطفيل لضمان استمرار وجوده في الحقل وتحقيق أفضل معدلات التطفل على بيض الآفات.
وتتأثر أعداد مرات الإطلاق بعدة عوامل، من بينها توقيت بدء المكافحة، حيث يؤدي البدء المبكر إلى تقليل عدد الإطلاقات المطلوبة، إلى جانب مستوى الإصابة بالآفة، واستخدام المبيدات الكيميائية، وقرب الحقول من المناطق السكنية أو المساحات المزروعة بمحاصيل تمثل عوائل مشتركة للآفة، فضلًا عن ارتفاع معدلات الإصابة خلال بعض المواسم.
ويحتاج استخدام التريكوجراما إلى مجموعة من الإجراءات لضمان كفاءة المكافحة، من بينها تقييم جودة الطفيل بعد إطلاقه في الحقل، وإجراء عمليات استرجاع للطفيل وإعادته إلى المعمل لإنتاج أجيال تتمتع بكفاءة عالية وقدرة أكبر على التأقلم مع الظروف البيئية.
كما يجب نقل كروت التريكوجراما من أماكن الإنتاج إلى الحقول في ظروف مناسبة، مع تجنب تعرضها لأشعة الشمس المباشرة، وحفظها في درجات حرارة منخفضة عند وجود ظروف تمنع توزيعها في الموعد المحدد، بما يحافظ على كفاءة الطفيل ويمنع خروجه قبل وضع الكروت في الحقل.
وفي حال الاضطرار إلى استخدام المبيدات الحشرية، يجب التنسيق بين مواعيد الرش وإطلاق الطفيل، حتى لا تؤثر المبيدات على التريكوجراما الموجودة بالحقل، مع مراعاة الفاصل الزمني المناسب بين عمليات الإطلاق والمعاملة بالمبيدات.
وتتميز المكافحة باستخدام التريكوجراما بعدد من المزايا، أبرزها سهولة إنتاج الطفيل بكميات كبيرة داخل المعامل، وقصر دورة حياته، وإمكانية تعبئته داخل كروت صغيرة يسهل نقلها وتوزيعها في الحقول، فضلًا عن إمكانية استخدامها في المساحات الزراعية الصغيرة والكبيرة.
كما تتميز هذه الوسيلة بأنها أكثر أمانًا على البيئة مقارنة بالاستخدام المكثف للمبيدات، ولا تمثل خطرًا على الإنسان والحيوان، كما أن استخدامها بصورة متكررة لا يؤدي إلى ظهور صفة المقاومة لدى الآفات المستهدفة، إلى جانب دورها في الحفاظ على الأعداء الحيوية الأخرى الموجودة بصورة طبيعية في البيئة الزراعية.
وتتيح التريكوجراما كذلك إمكانية استخدامها خلال مراحل مختلفة من عمر النبات، بما في ذلك فترات التزهير وجمع المحصول، دون المشكلات المرتبطة ببقايا المبيدات على المنتجات الزراعية، وهو ما يدعم إنتاج محاصيل أكثر أمانًا ويعزز فرص النفاذ إلى الأسواق التصديرية التي تفرض اشتراطات صارمة بشأن متبقيات المبيدات.
وتبرز أهمية التوسع في استخدام المكافحة الحيوية كجزء من منظومة متكاملة لا تستهدف الاستغناء الكامل عن المبيدات في جميع الحالات، وإنما ترشيد استخدامها وتقليل الاعتماد عليها قدر الإمكان، بما يحقق التوازن بين حماية المحاصيل ورفع الإنتاجية والحفاظ على البيئة وصحة المستهلك، ويدعم في الوقت نفسه إنتاج محاصيل زراعية ذات جودة أعلى وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.