مخاوف متزايدة لدى الشركات العالمية من «إل نينيو».. اضطرابات محتملة تهدد الزراعة والطاقة وسلاسل الإمداد
تزايدت مخاوف الشركات العالمية من عودة ظاهرة «إل نينيو» إلى مستوياتها الأعلى منذ عدة سنوات، مع ارتفاع احتمالات حدوث نسخة قوية من الظاهرة المناخية، وما قد يترتب عليها من اضطرابات تمتد إلى قطاعات الزراعة والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، لا سيما في مناطق آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية.
ظاهرة إل نينيو
وكشف تحليل لبيانات إفصاحات الشركات ومكالمات إعلان النتائج المالية عن تنامي حضور «إل نينيو» في مناقشات مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية، بالتزامن مع بدء الشركات تقييم المخاطر المحتملة ووضع خطط للتعامل مع اضطرابات الطقس والأسواق.
478 شركة تراقب «إل نينيو»
وأظهر تحليل أجرته شركة «AlphaSense» لبيانات السوق أن 478 شركة أشارت إلى ظاهرة «إل نينيو» في 1443 وثيقة خلال الفترة من الأول من مايو وحتى الرابع من أغسطس 2026.
كما ورد اسم الظاهرة 316 مرة خلال مكالمات الشركات مع المستثمرين، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام 2019.
وتركز الاهتمام بصورة أكبر بين الشركات العاملة في قطاعات الأغذية والكيماويات والبنوك، حيث انصبت مناقشات الإدارات على تقييم حجم تعرض الأعمال للمخاطر، ووضع خطط الطوارئ وتأمين سلاسل الإمداد، بدلًا من تقديم تقديرات دقيقة في الوقت الحالي بشأن انعكاسات الظاهرة على المبيعات والأرباح والتدفقات النقدية.
لماذا تخشى الشركات «إل نينيو»؟
تُعد «إل نينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تنتج عن ارتفاع غير معتاد في درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي، بما يؤدي إلى تغير أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم.
ولا تتوزع آثار الظاهرة بصورة متساوية، إذ قد تتسبب في الجفاف ببعض المناطق، بينما تؤدي إلى أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى.
وتزداد صعوبة التنبؤ بتداعياتها في ظل ارتفاع درجات الحرارة العالمية نتيجة تغير المناخ، إذ أصبح النظام المناخي أكثر دفئًا وتقلبًا، ما يزيد تعقيد العلاقة بين الظواهر المناخية الطبيعية والتغيرات طويلة الأجل.
وتحذر شركات الاستشارات من أن هذه الظروف تجعل التخطيط الاقتصادي أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للشركات التي تعتمد على الزراعة والنقل والطاقة أو تمتلك سلاسل توريد تمتد عبر عدة دول.
الهند في قلب المخاوف
كانت الشركات الهندية الأكثر اهتمامًا بتداعيات الظاهرة، حيث ظهرت إشارات إلى «إل نينيو» في نحو 900 وثيقة لشركات هندية، بما يعادل قرابة عشرة أضعاف عدد الإشارات المسجلة لدى الشركات الأمريكية.
ويرتبط ذلك بالأهمية الكبيرة للأمطار الموسمية بالنسبة للاقتصاد والزراعة في الهند، إذ يمكن لأي اضطراب في توقيت الأمطار أو كمياتها أن ينعكس على إنتاج المحاصيل ودخول المزارعين ومستويات الطلب والاستهلاك المحلي.
كما أبدت شركات في الفلبين وماليزيا والبرازيل اهتمامًا متزايدًا بالمخاطر المحتملة للظاهرة.
وفي الهند، حذر مسؤولون في قطاعي السلع الاستهلاكية والزراعة من أن اضطرابات الإنتاج الزراعي قد تؤثر على دخول سكان المناطق الريفية، بما ينعكس بدوره على المبيعات والطلب المحلي.
«إل نينيو» يهدد المحاصيل وسلاسل الغذاء
تُعد الزراعة من أكثر القطاعات تعرضًا لتقلبات «إل نينيو»، إذ يمكن أن يؤدي تغير توزيع الأمطار إلى تأخير مواعيد الزراعة أو تراجع إنتاجية المحاصيل، في حين قد تتسبب الحرارة المرتفعة والجفاف في زيادة الاحتياجات إلى مياه الري.
وفي مناطق أخرى، قد تواجه المحاصيل أمطارًا غزيرة وفيضانات بدلًا من الجفاف، ما يزيد صعوبة التخطيط الزراعي.
وتنتقل هذه الاضطرابات إلى الشركات التي تعتمد على المحاصيل الزراعية كمواد خام، وعلى رأسها شركات الأغذية والمشروبات والسلع الاستهلاكية، كما يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت النباتية والمواد الغذائية.
وأشارت إحدى الشركات الزراعية الهندية إلى أن تأخر عمليات الزراعة في الهند وأوروبا قد يؤدي إلى انتقال جزء من الطلب إلى أرباع مالية لاحقة.
تأثيرات تمتد إلى قطاع الطاقة
لا تقتصر تداعيات «إل نينيو» على القطاع الزراعي، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات المناخية المصاحبة للظاهرة في الطلب على الكهرباء.
فارتفاع درجات الحرارة قد يدفع إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف والتبريد، بينما يمكن أن تؤثر التغيرات في معدلات الأمطار على إنتاج الطاقة الكهرومائية في بعض الدول.
وفي المقابل، قد تستفيد بعض شركات الطاقة من ارتفاع الطلب والأسعار.
وفي كولومبيا، أعلنت شركة الطاقة الأمريكية «AES» أن ارتفاع مبيعات الكهرباء الفورية والأسعار ساهم في زيادة إيراداتها خلال الربع الثاني بنحو 67 مليون دولار.
ويعكس ذلك أن «إل نينيو» لا يمثل خطرًا موحدًا على جميع الشركات، إذ قد تتضرر بعض القطاعات بينما تستفيد قطاعات أخرى من تغير أنماط الطلب والأسعار.
شركات التعدين تستعد لمخاطر الفيضانات
وفي بيرو، اتخذت شركة التعدين «Compañía de Minas Buenaventura» خطوات استباقية لمواجهة المخاطر المرتبطة بالظاهرة.
وأعلنت الشركة إضافة نحو 12 مليون دولار إلى خطة الإنفاق الرأسمالي لمواجهة مخاطر «إل نينيو»، مع التركيز بصورة خاصة على احتمالات حدوث فيضانات في مناطق التعدين.
وتشمل خطط الاستعداد زيادة قدرات ضخ المياه والاستعداد للتعامل مع التدفقات المائية التي قد تؤثر في عمليات المناجم والبنية التحتية.
وتكشف هذه الخطوة عن تحول تعامل بعض الشركات مع «إل نينيو» من مجرد ظاهرة مناخية إلى خطر مالي وتشغيلي مباشر يستوجب الاستعداد المسبق.
خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات
وتستند المخاوف الحالية إلى تجارب سابقة، إذ أظهرت دراسة من كلية دارتموث الأمريكية أن موجتي «إل نينيو» القويتين خلال عامي 1982-1983 و1997-1998 ارتبطتا بخسائر اقتصادية ضخمة امتدت آثارها لسنوات.
وقدرت الدراسة الخسائر المرتبطة بهذين الحدثين بنحو 4.1 تريليون دولار و5.7 تريليون دولار على التوالي خلال السنوات الخمس التالية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن ظاهرة «إل نينيو» المرتقبة ستؤدي إلى خسائر بالحجم نفسه، إلا أن التجارب السابقة تؤكد قدرة الظاهرة على إحداث تأثيرات اقتصادية واسعة عندما تتزامن تداعياتها مع اضطرابات في قطاعات الزراعة والطاقة والتجارة.
تغير المناخ يزيد صعوبة التوقعات
وتتمثل إحدى أبرز التحديات أمام الشركات في أن «إل نينيو» يحدث داخل نظام مناخي أصبح أكثر حرارة، وهو ما يعني أن الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها لم يعد كافيًا لتقدير التداعيات المحتملة.
وقالت فيليسلافا إيفانوفا، كبيرة استراتيجيي الاستدامة العالمية في شركة «EY»، إن الظروف الأكثر دفئًا وجفافًا وتقلبًا الناتجة عن تغير المناخ تجعل التنبؤ أكثر صعوبة من الناحيتين العلمية والتجارية.
ولهذا بدأت شركات في اختبار قدرتها على الصمود أمام سيناريوهات متعددة، تشمل تعطل الموردين، وارتفاع أسعار المواد الخام، ونقص المياه، واضطراب حركة النقل، وتغير الطلب على الطاقة.
«إل نينيو» قد يتحول إلى فرصة لبعض المنتجين
وفي الوقت الذي تستعد فيه شركات لمواجهة الخسائر المحتملة، قد تتحول تداعيات الظاهرة إلى فرصة لبعض المنتجين.
ففي حال أدى «إل نينيو» إلى تراجع المحاصيل في بعض المناطق الآسيوية أو اللاتينية، قد ترتفع أسعار السلع الزراعية عالميًا، بما يمنح المزارعين الذين يحققون إنتاجًا جيدًا أو يحتفظون بمخزونات من المحاصيل فرصة لتحقيق عوائد أعلى.
وقد يستفيد المزارعون الأمريكيون أيضًا من ارتفاع أسعار بعض المحاصيل في حال تراجعت الإمدادات من مناطق أخرى حول العالم.
إلا أن هذه الفرص تظل مرتبطة بدرجة قوة الظاهرة وتوزيع آثارها، إلى جانب أسعار الطاقة وتكاليف النقل والسياسات التجارية.
الشركات تدخل مرحلة اختبار القدرة على الصمود
ومع تزايد احتمالات حدوث «إل نينيو» قوي، تتجه الشركات إلى التعامل مع الظاهرة باعتبارها خطرًا متعدد الأبعاد يمكن أن ينتقل تأثيره من الطقس إلى الاقتصاد.
فاضطراب الأمطار قد يبدأ في الحقول، ثم ينتقل إلى أسعار المحاصيل، ومن ثم إلى شركات الأغذية والأعلاف، وصولًا إلى المستهلكين.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي التغيرات في درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على الكهرباء، بينما قد تتسبب الفيضانات أو موجات الجفاف في اضطرابات بقطاعات النقل والتعدين والصناعة.
وبالتالي، فإن التحدي الأكبر أمام الشركات لا يكمن في الظاهرة المناخية نفسها فحسب، وإنما في احتمال تزامن تداعياتها وانتقالها بين قطاعات واقتصادات مختلفة.
ومع اقتراب العالم من احتمال حدوث «إل نينيو» قوي، بدأت الشركات تتعامل مع المتغيرات المناخية باعتبارها عنصرًا مباشرًا في حسابات الأرباح والخسائر، وليس مجرد عامل خارجي يمكن تجاهله.