دراسة تكشف مفارقة بين الزراعة العضوية وشرائط الزهور البرية في حقول القمح

الزراعة العضوية
الزراعة العضوية

قد تبدو شرائط الزهور البرية الممتدة على أطراف حقول القمح واحدة من أكثر الوسائل وضوحًا لاستعادة الحياة البرية إلى الأراضي الزراعية، لما توفره من بيئة جاذبة للنحل والحشرات والنباتات البرية، إلا أن دراسة علمية جديدة كشفت أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن الزراعة العضوية يمكن أن تحقق مستويات مرتفعة من التنوع الحيوي إلى جانب عوائد اقتصادية أكبر للمزارعين.

ونُشرت الدراسة في مجلة Journal of Applied Ecology، حيث قارن فريق بحثي دولي بين ثلاثة أنماط لإدارة حقول القمح الشتوي: الزراعة العضوية، والزراعة التقليدية، والزراعة التقليدية المصحوبة بشريط من الزهور البرية على حافة الحقل، بهدف قياس الفوائد البيئية والاقتصادية لكل نظام.

وأجريت الدراسة على مدار عامين في 9 مناطق زراعية بولاية سكسونيا السفلى في ألمانيا، وشملت كل منطقة ثلاثة حقول متقاربة في الحجم والإمكانات، أحدها عضوي، والثاني تقليدي، والثالث تقليدي ويضم شريطًا سنويًا من الزهور البرية. وبلغ إجمالي الحقول التي خضعت للدراسة 54 حقلًا، فيما تم تحليل النباتات وعدد من مجموعات الحشرات والعناكب والخنافس، إلى جانب بيانات الإنتاج والتكاليف والإيرادات والأرباح.

شرائط الزهور تتفوق في جذب النحل

أظهرت النتائج أن شرائط الزهور البرية لعبت دورًا قويًا في دعم الملقحات، إذ كانت موطنًا لنحو ثلاثة أضعاف عدد أنواع النحل البري التي سجلتها الحقول العضوية، بينما تفوقت الحقول العضوية بدورها على الحقول التقليدية من حيث تنوع النحل. وأظهر البحث أيضًا أن كلا النظامين الزراعيين الصديقين للبيئة رفعا تنوع عدد من مجموعات الكائنات مقارنة بالزراعة التقليدية.

ولم تقتصر الفوائد على النحل، إذ ارتفع تنوع الذباب الحوام والحشرات الأرضية والعناكب في الحقول العضوية والحقول التي تضم شرائط زهور، مقارنة بالحقول التقليدية.

وسجل الباحثون كذلك تنوعًا ملحوظًا في أنواع النباتات، حيث احتوت شرائط الزهور والحقول العضوية على نحو ثلاثة أضعاف عدد الأنواع النباتية الموجودة في الحقول التقليدية عند احتساب النباتات المزروعة داخل الشرائط. وعند استبعاد الأنواع التي زرعت عمدًا، أظهرت الحقول العضوية أعلى تنوع للنباتات البرية المرتبطة بالأراضي الزراعية.

486 نوعًا في الأنظمة الزراعية الثلاثة

وبشكل إجمالي، رصدت الدراسة 486 نوعًا عبر مجموعات الكائنات التي شملها البحث، وكانت شرائط الزهور الأكثر تميزًا من حيث الأنواع الفريدة، إذ شكلت الأنواع التي لم تظهر في النظامين الآخرين نحو 28% من إجمالي الأنواع المسجلة، مقابل 12% في الحقول العضوية و3% فقط في الحقول التقليدية.

وأظهرت النتائج أيضًا أن كلا الإجراءين الزراعيين، الزراعة العضوية وشرائط الزهور، عززا التنوع الحيوي بنحو 20% إلى 30% مقارنة بالحقول التقليدية، وإن كان كل نظام يدعم مجتمعات مختلفة جزئيًا من النباتات والكائنات الحية.

المفاجأة.. القمح العضوي أقل إنتاجًا وأكثر ربحية

المفارقة الأبرز ظهرت عند مقارنة النتائج البيئية بالأداء الاقتصادي.

وأظهرت الدراسة أن إنتاجية القمح في الحقول التقليدية، سواء كانت مصحوبة بشرائط زهور أو لا، كانت نحو ضعف إنتاجية القمح العضوي. ومع ذلك، لم يؤد انخفاض الإنتاج في الحقول العضوية إلى انخفاض الأرباح، بل حققت هذه الحقول أعلى عائد اقتصادي بين الأنظمة الثلاثة.

ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى ارتفاع أسعار بيع المنتجات العضوية، إلى جانب الدعم الزراعي الأوروبي، حيث حققت الحقول العضوية إيرادات تقارب ضعف إيرادات الحقول التقليدية، بينما تجاوزت أرباحها أرباح الحقول التقليدية بأكثر من 150%.

وأشارت الدراسة إلى أن دعم الزراعة العضوية بلغ نحو 234 يورو للهكتار، فيما بلغ دعم شرائط الزهور نحو 875 يورو للهكتار ضمن النظام الذي شملته الدراسة. ومثلت الإعانات نحو 8% من إيرادات الزراعة العضوية و7% من إيرادات الحقول التي تضم شرائط زهور، ما يعني أن الجزء الأكبر من الإيرادات جاء من السوق وسعر بيع المحصول.

شرائط الزهور تحافظ على الجدوى الاقتصادية

أما الحقول التقليدية التي احتوت على شرائط زهور، فقد حققت أرباحًا أقل بنحو 19% من الحقول التقليدية الخالية من هذه الشرائط عند احتساب كامل مساحة الحقل، لكن الباحثين أشاروا إلى أن هذا الفارق قد لا يكون ناتجًا عن شرائط الزهور وحدها.

وعند مقارنة الجزء المزروع بالقمح فقط في الحقول التي تضم الشرائط مع الحقول التقليدية، كانت تكاليف الإنتاج متقاربة، بينما كانت إيرادات الحقول التقليدية أعلى بنحو 10%، وأرباحها أعلى بنحو 21%. كما انخفض إنتاج القمح في الحقول التي تضم شرائط زهور بنحو 4.4%، إلا أن هذا الانخفاض لم يصل إلى مستوى دلالة إحصائية.

ورجح الباحثون أن يكون المزارعون قد اختاروا بالفعل مواقع أقل إنتاجية لوضع شرائط الزهور فيها، خاصة المناطق الهامشية والمنحدرات المواجهة للشمال والقريبة من حواف الغابات، وهي أماكن قد تكون أقل ملاءمة للإنتاج الزراعي من غيرها.

ماذا تقول الدراسة عن مستقبل الزراعة؟

تكشف الدراسة أن استعادة التنوع الحيوي في الأراضي الزراعية لا ترتبط بإجراء واحد، إذ توفر شرائط الزهور فوائد كبيرة للملقحات والحشرات، بينما تدعم الزراعة العضوية مجموعة واسعة من النباتات البرية والكائنات المرتبطة بالحقول، إلى جانب تحقيق أداء اقتصادي قوي في الدراسة محل البحث.

ويرى الباحثون أن الجمع بين التدابير البيئية المختلفة قد يحقق فوائد أكبر للتنوع الحيوي، خاصة أن كل نظام يوفر موائل وموارد لمجموعات مختلفة من الكائنات. إلا أن الدراسة لم تتمكن من اختبار الجمع المباشر بين الزراعة العضوية وشرائط الزهور في الحقل نفسه، بسبب قواعد الدعم الزراعي في ولاية سكسونيا السفلى التي لم تكن تسمح بالحصول على الدعمين معًا.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني وجود نظام زراعي واحد قادر على تحقيق جميع الأهداف البيئية والاقتصادية في الوقت نفسه، خاصة أن الدراسة اقتصرت على تسع مناطق ولمدة عامين فقط.

ومع ذلك، تقدم النتائج اتجاهًا واضحًا نحو تطوير ما يصفه الباحثون بـالمناظر الزراعية متعددة الوظائف، التي تجمع بين إنتاج الغذاء والحفاظ على التنوع الحيوي وتوفير موائل للحياة البرية، بدلًا من النظر إلى كل حقل بمعزل عن البيئة الزراعية المحيطة به.

وتفتح الدراسة الباب أمام مزيد من الأبحاث حول أفضل الطرق للجمع بين الزراعة العضوية والإجراءات البيئية الأخرى، بما يحقق توازنًا بين إنتاج الغذاء، وربحية المزارع، والحفاظ على التنوع الحيوي.

تم نسخ الرابط