من المخلفات الزراعية إلى الذهب الأسود.. الدليل العملي لصناعة الكومبوست في المزرعة
يُعد الكومبوست من أهم الأسمدة العضوية التي يمكن إنتاجها من المخلفات الزراعية والحيوانية، حيث تعتمد صناعته على التحلل الهوائي للمادة العضوية وتحويلها إلى سماد غني يساعد على تحسين خواص التربة ورفع قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، بما يجعله أحد الحلول العملية للتعامل مع مخلفات المزرعة ودعم الزراعة المستدامة.
وتعتمد صناعة الكومبوست الناجحة على تحقيق توازن بين المواد الغنية بالكربون والمواد الغنية بالنيتروجين، بحيث تتراوح نسبة الكربون إلى النيتروجين بين 25:1 و35:1، ويمكن تحقيق هذا التوازن عمليًا من خلال خلط نحو 2 إلى 3 أجزاء من المواد الجافة البنية مقابل جزء من المواد الخضراء أو الروث.
وتتراوح الرطوبة المناسبة للكومة بين 40% و60%، ويمكن للمزارع الاستدلال عليها من خلال اختبار قبضة اليد، بحيث تكون المادة مثل الإسفنجة المعصورة؛ تحتفظ بالرطوبة وتظهر قطرات من الماء عند الضغط عليها دون أن تتسبب في تسرب كميات كبيرة من المياه.
ويُفضل ألا يقل حجم الكومة عن متر مكعب واحد، بما يساعدها على الاحتفاظ بالحرارة الناتجة طبيعيًا عن نشاط الكائنات الدقيقة، مع اختيار موقع مظلل ومحمي من الرياح الجافة، وبعيد عن الآبار ومصادر المياه.
وتستغرق عملية إنتاج الكومبوست عادةً نحو 8 إلى 14 أسبوعًا، وقد ينخفض حجم الكومة خلال فترة التحلل بنسبة تتراوح بين 30% و50% نتيجة تحلل المادة العضوية وفقد جزء من كتلتها.
مراحل تحلل الكومبوست
تمر عملية صناعة الكومبوست بثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بمرحلة النشاط المعتدل، التي تتراوح خلالها درجات الحرارة بين 20 و45 درجة مئوية، وتبدأ فيها الكائنات الدقيقة باستهلاك السكريات والمواد العضوية سهلة التحلل.
ثم تأتي المرحلة الحرارية، التي ترتفع خلالها درجات الحرارة إلى نحو 45 وحتى 65 درجة مئوية، نتيجة زيادة النشاط الميكروبي، وهي مرحلة مهمة للمساعدة في الحد من بذور الحشائش وبعض مسببات الأمراض.
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة النضج والتبريد، حيث تنخفض درجة الحرارة تدريجيًا إلى أقل من 45 درجة مئوية، وتستقر المادة العضوية وتتحول إلى دبال ناضج يمكن استخدامه في الزراعة دون التسبب في أضرار للجذور.
ويجب متابعة درجة حرارة الكومة بصورة منتظمة، ويفضل استخدام ميزان حرارة، وفي حال عدم توافره يمكن الاستدلال بصورة تقريبية على حالة الكومة باستخدام سيخ معدني يوضع في منتصفها لعدة دقائق، مع مراعاة أن هذا الاختبار لا يغني عن القياس الدقيق لدرجة الحرارة عند الحاجة.
أهم المواد المستخدمة في صناعة الكومبوست
تشمل المواد البنية الغنية بالكربون قشور المحاصيل وقشر القهوة والتبن وقش الذرة والقمح وسعف النخيل وأغصان التقليم المفرومة والأوراق الجافة ونشارة الخشب ورقائق الحطب والكرتون غير المطبوع بعد تقطيعه.
أما المواد الخضراء الغنية بالنيتروجين فتشمل روث الأغنام والأبقار وزرق الدواجن، وبقايا النباتات الخضراء وأوراق النباتات والتقليم الطري ومخلفات الخضراوات والفواكه والحشائش الخضراء المقصوصة حديثًا.
ويجب تجنب إضافة المواد البلاستيكية والزجاج والمواد غير القابلة للتحلل، بالإضافة إلى روث الكلاب والقطط، وبقايا اللحوم والدهون والعظام التي قد تؤدي إلى جذب الحيوانات والحشرات وظهور روائح غير مرغوبة.
كما ينبغي التعامل بحذر مع المخلفات النباتية التي تعرضت حديثًا للمبيدات الزراعية، وعدم استخدامها في الكومة إلا وفق التوصيات الخاصة بالمادة المستخدمة وفترة تحللها.
طريقة إنشاء كومة الكومبوست
تبدأ عملية إنشاء الكومة بوضع طبقة سفلية من الأغصان والسيقان الخشبية بسمك يتراوح بين 15 و20 سم، للمساعدة على تحسين التهوية ودخول الهواء من أسفل الكومة.
ثم توضع طبقة من المواد البنية الجافة بسمك 10 إلى 15 سم، مع ترطيبها بالماء، تليها طبقة من المواد الخضراء أو الروث بسمك 5 إلى 10 سم.
ويتم تكرار طبقات المواد البنية والخضراء مع الترطيب المناسب، حتى يصل ارتفاع الكومة إلى نحو متر أو 1.2 متر، ثم تُغطى بطبقة من القش الجاف أو الخيش المسامي لحمايتها من أشعة الشمس المباشرة والرياح وفقد الرطوبة.
وخلال الأسبوع الأول تبدأ درجة الحرارة في الارتفاع نتيجة نشاط الكائنات الدقيقة، بينما تحتاج الكومة خلال الأسابيع التالية إلى التقليب بصورة دورية لضمان دخول الأكسجين إلى مختلف أجزائها، مع إضافة المياه عند ملاحظة الجفاف.
ومع تقدم عملية التحلل يقل معدل التقليب تدريجيًا، إلى أن تدخل الكومة مرحلة النضج والاستقرار، حيث تنخفض حرارتها وتتحول المادة العضوية إلى سماد متجانس.
كيف تعرف أن الكومبوست أصبح جاهزًا؟
يمكن الاستدلال على نضج الكومبوست من خلال عدة علامات، أهمها تحوله إلى اللون البني الداكن أو الأسود، وظهور رائحة مقبولة تشبه رائحة التربة بعد سقوط المطر، إلى جانب سهولة تفكك المادة واختفاء معظم ملامح المواد الأصلية مثل القش والروث.
كما يجب أن تكون الكومة باردة ومقاربة لدرجة حرارة الجو حتى بعد التقليب، وهو ما يشير إلى انتهاء مرحلة التحلل النشط واستقرار المادة العضوية.
معدلات استخدام الكومبوست
يمكن استخدام الكومبوست الناضج مع المحاصيل الحقلية والخضراوات بمعدلات تختلف وفق نوع المحصول وخصائص التربة، بينما يمكن إضافته إلى أشجار الفاكهة بكميات أكبر تتناسب مع عمر وحجم الشجرة، مع ضرورة توزيع السماد في منطقة انتشار الجذور وخلطه بالتربة وفق التوصيات الزراعية المناسبة للمحصول.
وأكدت التوصيات الزراعية أهمية عدم استخدام الكومبوست غير الناضج، لأن استمرار عملية التحلل بعد إضافته إلى التربة قد يؤثر سلبًا على النبات والجذور.
أخطاء شائعة أثناء صناعة الكومبوست
وفي حالة ظهور رائحة أمونيا قوية، فقد يشير ذلك إلى زيادة المواد الغنية بالنيتروجين أو الروث، ويمكن معالجة الأمر بإضافة مواد بنية جافة وتقليب الكومة جيدًا.
أما ظهور رائحة تشبه البيض المتعفن فيشير غالبًا إلى زيادة الرطوبة ونقص الأكسجين، وهنا تحتاج الكومة إلى التقليب والتهوية وإضافة مواد جافة تساعد على تحسين بنيتها وتصريف الرطوبة الزائدة.
وفي حال عدم ارتفاع درجة حرارة الكومة، فقد يكون السبب جفافها أو صغر حجمها أو نقص المواد الغنية بالنيتروجين، ويمكن معالجة ذلك بالترطيب والتقليب وزيادة حجم الكومة وإضافة مواد خضراء أو روث مناسب.
كما أن تعرض الكومة لأشعة الشمس والرياح الجافة قد يؤدي إلى فقد الرطوبة سريعًا، لذلك يُفضل اختيار موقع مناسب وتغطية الكومة بالقش أو الخيش، بينما يمكن الحد من انتشار الذباب والحشرات من خلال تغطية بقايا الطعام والمخلفات الرطبة بطبقة من المواد البنية الجافة.
ويُعد إنتاج الكومبوست داخل المزرعة وسيلة للاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية بدلًا من التخلص منها، كما يساهم استخدام السماد العضوي الناضج في تحسين بناء التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وهو ما يدعم كفاءة استخدام مياه الري في ظل تحديات الجفاف ونقص الموارد المائية.