تغير المناخ يعيد رسم خريطة زراعة البيقية الصينية في حقول الأرز

زراعة البيقية الصينية
زراعة البيقية الصينية

كشفت دراسة حديثة أن تغير المناخ قد يعيد رسم خريطة زراعة البيقية الصينية، وهي من محاصيل التغطية الشتوية المهمة في حقول الأرز بجنوب الصين، لما تؤديه من دور في تثبيت النيتروجين طبيعيًا، وزيادة محتوى التربة من الكربون، وتقليل اعتماد المزارعين على الأسمدة الصناعية.

وتُزرع البيقية الصينية خلال فصل الشتاء في حقول الأرز، حيث تسهم في إعادة النيتروجين المثبت بيولوجيًا والكربون العضوي إلى التربة، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في الحفاظ على خصوبة الأراضي الزراعية وتعزيز استدامة الإنتاج.

دراسة ميدانية لرصد تأثير المناخ
رسمت الدراسة خريطة تفصيلية لتباين نمو البيقية الصينية في مناطق مختلفة من الصين، وحددت المناطق الأكثر عرضة للتأثر بالتغيرات المناخية خلال العقود المقبلة.

واعتمد الباحثون على 572 قياسًا ميدانيًا من 111 موقعًا موزعة على 13 مقاطعة صينية، قبل تحليل البيانات باستخدام نموذج للتعلم الآلي يعتمد على تقنية الغابة العشوائية (Random Forest)، إلى جانب تقنية SHAP، التي تتيح تفسير تأثير العوامل المختلفة في نتائج نماذج الذكاء الاصطناعي.

وأتاح هذا النهج دراسة تأثير مجموعة واسعة من العوامل في إنتاج الكتلة الحيوية للبيقية الصينية، من بينها الموقع الجغرافي، وخصائص التربة، ودرجات الحرارة، ومعدلات هطول الأمطار، والرطوبة، ومدة سطوع الشمس.

وقال هاو ليانج، الباحث المسؤول عن الدراسة من جامعة هوهاي، إن البيقية الصينية لا تقتصر أهميتها على كونها محصول تغطية شتوية، إذ ترتبط كمية الكتلة الحيوية التي تنتجها مباشرة بكمية النيتروجين المثبت بيولوجيًا والكربون العضوي اللذين يمكن إعادتهما إلى حقول الأرز.

وأضاف أن تأثير المناخ في نمو المحصول لا يتبع علاقة خطية بسيطة، إذ توجد نطاقات محددة لدرجات الحرارة والأمطار تحقق خلالها البيقية الصينية أفضل معدلات النمو، وهو ما يمكن الاستفادة منه في تطوير أساليب إدارة زراعية أكثر دقة وفقًا لظروف كل منطقة.

تفاوت كبير في إنتاجية المحصول
بلغ متوسط الكتلة الحيوية الجافة للبيقية الصينية في جميع المواقع التي شملتها الدراسة 3.23 طن متري لكل هكتار، إلا أن القياسات أظهرت تفاوتًا كبيرًا بين المناطق، إذ تراوحت الكتلة الحيوية بين 0.56 و7.45 طن لكل هكتار، وفقًا للموقع والظروف البيئية المحيطة.

وبحسب تقديرات العناصر الغذائية، يعادل متوسط هذه الكتلة الحيوية نحو 87.85 كيلوجرام من النيتروجين و1252 كيلوجرامًا من الكربون يمكن أن يعودا إلى التربة لكل هكتار.

وسُجلت أعلى مستويات الكتلة الحيوية في المناطق الوسطى والدنيا من حوض نهر اليانجتسي، ولا سيما في مقاطعات هونان وهوبي وجيانجشي، حيث تجاوزت الكتلة الحيوية الجافة في أفضل المناطق 3.5 طن لكل هكتار.

في المقابل، سجلت أجزاء من جنوب وجنوب غرب الصين مستويات أقل، من بينها تشونغتشينغ وقوانغدونغ وقوانغشي، إذ انخفضت الكتلة الحيوية في بعض المناطق إلى أقل من 1.5 طن لكل هكتار.

وتمكن نموذج التعلم الآلي من تفسير نحو 68% من التباين المكاني في الكتلة الحيوية، فيما جاءت العوامل المناخية في المرتبة الأكبر من حيث التأثير بنسبة 40.5%، تلتها العوامل الجغرافية بنسبة 31.7%، ثم خصائص التربة بنسبة 27.8%.

الأمطار.. نطاق محدد لنمو أفضل
أظهرت الدراسة أن العلاقة بين الأمطار ونمو البيقية الصينية ليست خطية، إذ ارتبط هطول الأمطار خلال موسم النمو، عندما تراوحت كمياته تقريبًا بين 533 و877 مليمترًا، بتراكم قوي للكتلة الحيوية.

لكن انخفاض معدلات الأمطار عن هذا النطاق أو تجاوزها له ارتبط بتراجع النمو، سواء نتيجة الإجهاد المائي والجفاف أو بسبب زيادة المياه وتشبع التربة بها.

وبذلك، لا تعني زيادة الأمطار بالضرورة تحسن نمو المحصول، إذ يمكن أن تؤدي الزيادة الكبيرة في معدلات الهطول إلى خلق ظروف مائية غير ملائمة للبيقية الصينية.

درجات الحرارة.. نطاق ملائم للنمو
اتخذ تأثير درجات الحرارة مسارًا مختلفًا، إذ أظهرت النتائج أن متوسط درجات الحرارة خلال موسم النمو، عندما تراوح بين نحو 10.7 و13.7 درجة مئوية، وفر نطاقًا مناسبًا أظهرت خلاله البيقية الصينية قدرة جيدة على التكيف.

وفي هذا النطاق، كان تأثير الارتفاع الإضافي في درجات الحرارة على الكتلة الحيوية محدودًا، بينما ساعد ارتفاع الحرارة في المناطق الأبرد على تحسين النمو، قبل أن تتراجع هذه الفائدة تدريجيًا مع ارتفاع درجات الحرارة.

وعندما تجاوز متوسط الحرارة 13.7 درجة مئوية، بدأ الإجهاد الحراري في التأثير سلبًا في نمو المحصول، وأصبحت الزيادة في درجات الحرارة مرتبطة بتراجع متزايد في الكتلة الحيوية.

توقعات بانخفاض محدود على مستوى جنوب الصين
ولتقييم مستقبل المحصول في ظل تغير المناخ، جمع الباحثون نموذج الكتلة الحيوية مع توقعات مستمدة من ثلاثة نماذج مناخية ضمن مشروع CMIP6، باستخدام أربعة سيناريوهات مختلفة للانبعاثات.

وأشارت التوقعات، عند حساب المتوسط على مستوى جنوب الصين، إلى احتمال انخفاض الكتلة الحيوية للبيقية الصينية بنحو 2% إلى 4% بحلول عام 2098، إلا أن هذا المتوسط يخفي تفاوتًا واضحًا بين المناطق.

وفي منطقة هوانغ-هواي-هاي لزراعة الأرز أحادي المحصول، يُتوقع تسجيل أكبر الخسائر، إذ قد يصل انخفاض الكتلة الحيوية إلى 13% إلى 14% في ظل سيناريوهات الانبعاثات الأعلى.

وترتبط هذه التوقعات بارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات هطول الأمطار، إلا أن الزيادة المتوقعة في الأمطار قد لا تكون كافية لتعويض القيود المرتبطة بالجفاف في المنطقة.

حوض اليانجتسي قد يحافظ على استقرار المحصول
في المقابل، تبدو التوقعات أكثر استقرارًا في منطقة نهر اليانجتسي الوسطى والدنيا، التي تعتمد على زراعة الأرز مرتين سنويًا، إذ أظهرت بعض السيناريوهات إمكانية زيادة الكتلة الحيوية بنسبة تتراوح بين 1.9% و5.9%.

ويرتبط ذلك بكون المنطقة تتمتع أصلًا بظروف مناسبة نسبيًا لنمو البيقية الصينية، بينما يُتوقع أن تبقى الزيادة في درجات الحرارة إلى حد كبير ضمن النطاق الملائم لنمو المحصول، مع إمكانية مساهمة زيادة الأمطار في تخفيف القيود المرتبطة بتوافر المياه.

الاحترار يغير العلاقة بين الحرارة والأمطار
ومن أبرز نتائج الدراسة أن تأثير العوامل المناخية في الكتلة الحيوية للبيقية الصينية قد يتغير مع زيادة مستويات الاحترار.

ففي السيناريوهات المناخية الأكثر اعتدالًا، ارتبطت التغيرات في هطول الأمطار بدرجة أكبر بالتغيرات في الكتلة الحيوية، بينما كان تأثير درجات الحرارة سلبيًا بصورة محدودة.

أما في سيناريو الاحترار الأكثر تطرفًا، فقد تغير هذا النمط، وأصبحت العلاقة بين درجات الحرارة والكتلة الحيوية إيجابية، في حين تراجع تأثير الأمطار.

ويرتبط ذلك باحتمال تجاوز معدلات هطول الأمطار في بعض المناطق الحد الأعلى الملائم للمحصول، لتصبح زيادة الأمطار أقل فائدة، بينما تزداد أهمية درجات الحرارة في تحديد مستويات النمو.

إدارة زراعية مختلفة وفقًا لظروف كل منطقة
وتشير الفروق الكبيرة في استجابة البيقية الصينية للظروف المناخية إلى أهمية تجنب تطبيق استراتيجية زراعية موحدة على جميع المناطق.

ويقترح الباحثون اعتماد أساليب إدارة مخصصة لكل منطقة، من بينها تعديل مواعيد الزراعة بما يتناسب مع التغيرات الموسمية، واستخدام أصناف أكثر قدرة على تحمل الإجهاد في المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية.

كما تحتاج المناطق المعرضة للجفاف إلى تحسين أساليب الحفاظ على رطوبة التربة، مع تعزيز دمج زراعة البيقية الصينية مع إعادة قش الأرز إلى التربة وتحسين إدارة النيتروجين.

وفي منطقة نهر اليانجتسي، التي تتميز بإنتاجية مرتفعة نسبيًا، يرى الباحثون إمكانية التوسع المعتدل في زراعة البيقية الصينية في ظل الظروف المناخية المتوقعة.

الذكاء الاصطناعي يدعم التخطيط الزراعي
وتوفر نتائج الدراسة إطارًا يمكن الاستفادة منه في التخطيط الزراعي في ظل تغير المناخ، من خلال تحديد المناطق التي تتمتع بقدرة أكبر على الحفاظ على إنتاجية البيقية الصينية، وتلك التي قد تحتاج إلى إجراءات إضافية للتكيف.

كما تقدم الدراسة بيانات ميدانية يمكن استخدامها في تطوير نماذج المحاصيل المستقبلية وأبحاث الاستشعار عن بُعد، فضلًا عن تحسين إدارة الأسمدة الخضراء في مناطق زراعة الأرز بجنوب الصين.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة نظرًا إلى الدور البيئي للبيقية الصينية، التي لا تمثل مجرد محصول تغطية شتوية، بل تسهم في تثبيت النيتروجين وإعادة الكربون إلى التربة، ما يجعل قدرتها على التكيف مع تغير المناخ عاملًا مهمًا في استدامة إنتاج الأرز وتقليل الاعتماد على الأسمدة الصناعية.

تم نسخ الرابط