من صحراء النقب إلى الحقول.. طحلب أخضر قد يطور محاصيل أكثر مقاومة للجفاف

طحالب
طحالب

في واحدة من أقسى البيئات على سطح الأرض، يختبئ كائن أخضر بالغ الصغر قد يحمل إجابة علمية لأحد أكبر التحديات التي تواجه الزراعة في عصر تغير المناخ، كيف يمكن تطوير محاصيل تتحمل الحرارة الشديدة ونقص المياه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على النمو والإنتاج.

صحراء النقب

ويخضع طحلب أخضر ينمو في صحراء النقب، يحمل اسم Chlorella ohadii، لدراسات مكثفة من جانب العلماء، بعدما أظهر قدرة استثنائية على تحمل الجفاف والحرارة وشدة الإضاءة، مع احتفاظه في الوقت نفسه بمعدلات مرتفعة من النمو والبناء الضوئي.

ولا تقتصر أهمية هذا الكائن على قدرته على البقاء في الظروف القاسية، إذ يحاول الباحثون نقل بعض خصائصه الجينية والأيضية إلى النباتات والمحاصيل الزراعية، في محاولة لتطوير زراعة أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط المناخية المتزايدة.

طحلب يعيش على دقائق محدودة من الرطوبة

تُعد صحراء النقب بيئة شديدة القسوة على الكائنات الحية، إذ قد تقترب درجات الحرارة نهارًا من 60 درجة مئوية، بينما يمكن أن تنخفض ليلًا إلى ما دون درجة التجمد.

ولا يحصل الطحلب على المياه بصورة مستمرة، إذ تعتمد فرصته المحدودة على الرطوبة التي تظهر صباحًا في صورة قطرات من الندى، قبل أن تتبخر سريعًا تحت تأثير الحرارة المرتفعة.

ومع ذلك، استطاع Chlorella ohadii التكيف مع هذه الظروف إلى درجة جعلته نموذجًا مهمًا في أبحاث البناء الضوئي وقدرة الكائنات النباتية على مواجهة الإجهاد البيئي.

وكان الطحلب قد عُزل من القشرة الحيوية للتربة الصحراوية قبل أكثر من عقد، ومنذ ذلك الوقت أصبح محورًا لدراسات تبحث في الطريقة التي يمكن للكائنات الحية من خلالها استغلال الضوء والماء والموارد المحدودة بأعلى كفاءة ممكنة.

حرارة وجفاف وإضاءة شديدة.. والطّحلب يواصل النمو

يمتلك Chlorella ohadii قدرة لافتة على مقاومة ظروف يمكن أن تؤدي إلى تعطيل عملية البناء الضوئي لدى كثير من النباتات، من بينها الجفاف والحرارة الشديدة والإضاءة القوية للغاية.

ويشير الباحثون إلى أن الطحلب قادر على مواصلة النمو والبناء الضوئي تحت شدة ضوئية تصل إلى ضعف ضوء الشمس الكامل، مع الحفاظ على كفاءة مرتفعة في استغلال الطاقة الضوئية.

وتكمن المفارقة العلمية الأبرز في قدرة الكائن على الجمع بين التحمل الشديد والقدرة العالية على النمو، وهما صفتان يُنظر إليهما عادة باعتبارهما متعارضتين نسبيًا.

فقد كان من الشائع افتراض أن الاستثمار في آليات مقاومة الإجهاد البيئي قد يأتي على حساب النمو السريع، إلا أن هذا الطحلب الصحراوي يبدو وكأنه يتحدى تلك القاعدة، من خلال الجمع بين القدرة على تحمل الظروف القاسية ومواصلة النمو بكفاءة مرتفعة.

أقل من ساعة لاستغلال فرصة النمو

تكشف الدراسات الفسيولوجية والكيميائية الحيوية والجزيئية أن أحد أسرار الطحلب يكمن في ارتفاع معدلات الأيض لديه بشكل كبير.

وفي بيئته الصحراوية، لا يملك الطحلب سوى فترة قصيرة في الصباح للاستفادة من الرطوبة المتاحة، قبل أن تتحول الظروف إلى بيئة شديدة القسوة.

ويقدر الباحثون أنه يمتلك أقل من ساعة صباحية للاستفادة من الظروف الملائمة للنمو، ولذلك طوّر آليات تسمح له بالاستجابة بسرعة شديدة للتغيرات في الضوء والمياه ودرجات الحرارة.

كما تتحرك التفاعلات الكيميائية المرتبطة بالضوء بوتيرة سريعة، ما يمكّن الطحلب من استغلال نافذة زمنية قصيرة للغاية بأعلى قدر ممكن من الكفاءة.

وبدلًا من الاعتماد على استراتيجية نمو بطيئة ومستقرة، يبدو أن الكائن الصحراوي طوّر نمطًا يقوم على السرعة والمرونة والاستغلال الأقصى للفرص المتاحة.

وهذه الخاصية تحديدًا تجعله موضع اهتمام متزايد في أبحاث تطوير المحاصيل.

من جينات الطحلب إلى النباتات والمحاصيل

لا يقتصر عمل الباحثين على دراسة الطحلب وفهم آليات تحمله، بل بدأوا بالفعل في اختبار بعض الجينات والصفات والهياكل المسؤولة عن قدراته داخل نباتات نموذجية ومحاصيل زراعية.

ويتمثل الهدف الأساسي في تطوير نباتات يمكنها تحقيق إنتاجية أفضل في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع المياه وزيادة مستويات الإجهاد البيئي.

ويشير فريق البحث إلى أنه يعمل حاليًا على تسجيل براءة اختراع لنبات جرى تعديله من الناحية الأيضية ليحمل بعض الصفات المشابهة للطحلب الصحراوي، وأظهر زيادة في إنتاج البذور بنسبة 30%.

ولا تعني هذه النتيجة أن زيادة الإنتاج بنسبة 30% أصبحت متاحة بالفعل للمحاصيل التجارية، كما لا يمكن تعميمها على جميع النباتات، إلا أنها تمثل مؤشرًا مبكرًا على الإمكانات التي قد يتيحها فهم الآليات التي يستخدمها هذا الكائن للتكيف مع بيئته.

الزراعة أمام معادلة مناخية صعبة

تزداد أهمية هذه الأبحاث في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، وتكرار موجات الجفاف، وتراجع توافر المياه في عدد كبير من المناطق الزراعية.

وتواجه الزراعة معادلة معقدة تتمثل في الحاجة إلى إنتاج كميات أكبر من الغذاء لإطعام عدد متزايد من السكان، في وقت تصبح فيه المياه والظروف المناخية أكثر صعوبة.

ومن هنا، فإن تحسين كفاءة البناء الضوئي أو تعزيز قدرة النباتات على تحمل الحرارة ونقص المياه قد يصبح جزءًا من مجموعة واسعة من الحلول اللازمة للحفاظ على الإنتاج الزراعي.

وقد تمثل الاستفادة من طحلب صحراوي صغير نموذجًا لاتجاه أوسع في العلوم الزراعية، يقوم على البحث عن حلول للتكيف المناخي داخل الكائنات التي نجحت بالفعل في التكيف مع أقسى البيئات.

فالكائنات التي طورت عبر ملايين السنين آليات للتعامل مع الجفاف والحرارة والملوحة أو محدودية الموارد الغذائية قد تحمل خصائص يمكن للعلماء الاستفادة منها في تطوير محاصيل أكثر قدرة على الصمود.

فك شفرة البناء الضوئي

على الرغم من أن البناء الضوئي يُعد من أكثر العمليات الحيوية التي خضعت للدراسة العلمية، لا يزال العلماء يبحثون عن إجابات كاملة حول أسباب اختلاف معدلات النمو بين الكائنات القادرة على إجراء هذه العملية، والعوامل التي تحد من كفاءتها.

ويقدم Chlorella ohadii فرصة مهمة لدراسة هذه الأسئلة في بيئة طبيعية شديدة القسوة.

ويعتمد الباحثون على تحليلات متقدمة للجينوم والبروتينات والعمليات الأيضية، إلى جانب أدوات متخصصة لقياس حركة المواد داخل الخلايا بدقة.

وتتطلب هذه الأبحاث تقنيات متقدمة لا تتوافر إلا في عدد محدود من المؤسسات البحثية، ما يجعل دراسة هذا الطحلب مجالًا علميًا شديد التخصص.

ومع تطور هذه الأدوات، يأمل العلماء في اكتشاف مزيد من الآليات التي تمكن هذا الكائن الصغير من تحويل فترة قصيرة من الرطوبة والضوء إلى نمو سريع وكفاءة مرتفعة.

طحلب صغير أمام تحدٍ غذائي هائل

لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأبحاث في اكتشاف طحلب قادر على تحمل ظروف الصحراء فحسب، وإنما في السؤال الأكبر الذي تطرحه: هل يمكن تحويل أسرار الكائنات التي نجحت في التكيف مع أقسى البيئات إلى أدوات لحماية الغذاء البشري مستقبلًا؟

وفي حال تمكن العلماء من نقل بعض هذه الصفات إلى المحاصيل الرئيسية، فقد يسهم ذلك في تطوير نباتات أكثر تحملًا للحرارة والجفاف، وأكثر كفاءة في استغلال الضوء والمياه.

لكن الانتقال من نتائج المختبر إلى الحقول التجارية لا يزال طريقًا طويلًا، ويتطلب إجراء اختبارات واسعة للتأكد من ثبات هذه الصفات وسلامتها وقدرتها على العمل بكفاءة في بيئات زراعية مختلفة.

ومع ذلك، فإن نجاح نبات معدل مستوحى من خصائص هذا الطحلب في تحقيق زيادة أولية بلغت 30% في إنتاج البذور يمنح الباحثين دافعًا إضافيًا لمواصلة الدراسة والاستكشاف.

وفي عالم يزداد حرارة وجفافًا، قد لا تأتي بعض الحلول المستقبلية لمشكلة الأمن الغذائي من برامج تحسين المحاصيل التقليدية وحدها، بل من كائنات دقيقة نجحت بالفعل في البقاء حيث تكاد الحياة نفسها تواجه اختبارًا صعبًا.

تم نسخ الرابط