من تربية الأبقار إلى زراعة الأرز.. هولندا تختبر محصولًا جديدًا بسبب تغير المناخ
في تجربة زراعية كانت تبدو غير قابلة للتنفيذ قبل عقود، بدأ مزارعون في هولندا زراعة الأرز داخل حقول كانت تُستخدم تقليديًا في تربية الأبقار، في محاولة للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة والتعامل مع واحدة من أبرز المشكلات البيئية في البلاد، وهي تدهور أراضي الخث وهبوط مستوياتها.
ملامح الزراعة الهولندية
ولقرون طويلة، شكلت تربية الأبقار وإنتاج الحليب أحد أبرز ملامح الزراعة الهولندية، إلا أن تغير المناخ دفع بعض المزارعين والباحثين إلى اختبار محاصيل لم تكن ملائمة تقليديًا للمناخ الهولندي البارد والرطب، ومن بينها الأرز.
ولا تقتصر أهمية التجربة على تنويع الإنتاج الزراعي، إذ يأمل الباحثون أن تسهم زراعة الأرز في معالجة مشكلة جفاف أراضي الخث وهبوطها، والتي ترتبط تاريخيًا بتصريف المياه من هذه الأراضي لاستخدامها في الرعي وزراعة الأعشاب التي تتغذى عليها الماشية.
زراعة الأرز في هولندا
وقال فيليب تيرهيغن، رئيس جمعية «Land van Ons» التي وفرت الأراضي للمشروع، إن زراعة الأرز في هولندا كانت تبدو أمرًا بعيد المنال قبل نحو 20 عامًا، لكن تغير الظروف المناخية جعل خوض هذه التجربة ممكنًا.
وأضاف أن نجاح زراعة هذا المحصول في هولندا أمر لافت، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم التغير الذي طرأ على المناخ خلال السنوات الأخيرة.
ولا تزال التجربة في مراحلها الأولى، إذ تُزرع حاليًا على مساحة تقارب 0.6 هكتار، ويستهدف القائمون عليها إنتاج نحو 3 أطنان من الأرز قصير الحبة، القابل للاستخدام في إعداد أطباق مثل السوشي والريزوتو.
ويختبر الباحثون نحو 30 صنفًا من الأرز جرى جمعها من مناطق مختلفة حول العالم، من بينها روسيا والصين واليابان وأوزبكستان، بهدف تحديد الأصناف الأكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية والزراعية في هولندا.
وفي أحد الحقول الرطبة الواقعة بين أمستردام ولاهاي، يعمل المزارع ساندر روليفيلد على زراعة الأرز، في محاولة لإثبات أن الأراضي الرطبة يمكن أن تكون صالحة لإنتاج محاصيل أخرى إلى جانب الأعشاب التي تعتمد عليها تربية الماشية.
ويقول روليفيلد، البالغ من العمر 53 عامًا، إن هدف التجربة يتمثل في الكشف عن إمكانات جديدة للزراعة في الأراضي الرطبة، رغم صعوبة تغيير نمط زراعي استمر نحو 600 عام واعتمد بصورة أساسية على تربية الأبقار وإنتاج الحليب.
أراضي الخث.. التحدي البيئي الأكبر
تتجاوز أهمية التجربة فكرة إدخال محصول جديد إلى الزراعة الهولندية، إذ ترتبط بشكل مباشر بمشكلة أراضي الخث التي تغطي نحو عُشر مساحة هولندا.
وتُستخدم هذه الأراضي تقليديًا كمراعٍ بعد تصريف المياه منها، إلا أن عملية التجفيف تؤدي إلى آثار بيئية واسعة، إذ يؤدي تعرض الخث للهواء وجفافه إلى تحلله وإطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، كما ينخفض سطح الأرض نتيجة انكماش طبقات الخث وتحللها.
وفي المناطق الأكثر تضررًا، يمكن أن يتراجع مستوى سطح الأرض بمقدار عدة سنتيمترات سنويًا.
ووفق جامعة فاخينينغن، تمثل انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بأراضي الخث في هولندا نحو 2 إلى 3% من إجمالي انبعاثات البلاد.
وتكمن المفارقة في أن الحفاظ على أراضي الخث يتطلب إبقاءها رطبة، إلا أن ذلك يجعل استخدامها في أنشطة الزراعة والرعي التقليدية أكثر صعوبة.
وهنا تبرز زراعة الأرز كخيار تجريبي، نظرًا إلى أن هذا المحصول يحتاج بطبيعته إلى ظروف أكثر رطوبة مقارنة بالعديد من المحاصيل الزراعية التقليدية.
الأرز بين التكيف مع المناخ وخفض الانبعاثات
يقود التجربة الباحث جوليان هلفنشتاين من جامعة فاخينينغن والبحث العلمي، بالتعاون مع باحثين من جامعة لايدن.
ويرى هلفنشتاين أن المشروع يجمع بين مسارين رئيسيين في مواجهة تغير المناخ؛ أولهما التكيف مع الظروف المناخية الجديدة، والثاني محاولة الحد من بعض الانبعاثات المرتبطة بتدهور أراضي الخث.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة جعل زراعة محصول كان من الصعب إنتاجه في المنطقة سابقًا أكثر قابلية للتجربة، بينما يمكن الحفاظ على رطوبة التربة أثناء زراعة الأرز، بما قد يساعد على الحد من تحلل الخث وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
ولا تقتصر مشكلة أراضي الخث على هولندا، إذ توجد مناطق مشابهة في أجزاء واسعة من شمال أوروبا، من بينها ألمانيا وبلجيكا ودول البلطيق.
لكن الباحثين لا يفترضون مسبقًا أن زراعة الأرز تمثل حلًا مناخيًا مثاليًا، إذ يواصل الفريق مراقبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان الناتجة عن زراعته، ومقارنتها بمستويات الانبعاثات المرتبطة باستمرار استخدام الأراضي نفسها كمراعٍ.
ويؤكد هلفنشتاين أن النتائج الأولية تبدو واعدة، لكنه يشدد على ضرورة التأكد من أن الحل المقترح لا يؤدي إلى ظهور مشكلة بيئية جديدة.
اهتمام تجاري بالأرز الهولندي
إلى جانب الأهداف البيئية والعلمية، بدأت التجربة تلفت أنظار بعض الأنشطة التجارية المحلية، مع إبداء مطاعم اهتمامًا باستخدام الأرز المنتج محليًا في الأطباق التي تعتمد عليه.
وقالت غوسيه فان دير فوسن، من جمعية «Wij Land» التي تساعد المزارعين على التحول إلى أنماط إنتاج أكثر استدامة، إن الأرز المستخدم في الحصاد الحالي ينتمي إلى صنف من شمال اليابان، ويبدو حتى الآن الأكثر ملاءمة للظروف الهولندية.
وكانت فان دير فوسن من بين عدد محدود من الأشخاص الذين تذوقوا الأرز المنتج محليًا خلال تجربة العام الماضي، ووصفت مذاقه بأنه جيد، مع قوام أكثر مطاطية بعض الشيء، مشيرة إلى إمكانية استخدامه في إعداد السوشي، بل وربما إنتاج الساكي مستقبلًا.
تجربة صغيرة.. وأسئلة أكبر
رغم النتائج المشجعة، لا تزال التجربة في بدايتها، ولا تسمح نتائجها الحالية بالحكم على إمكانية تحويل زراعة الأرز في أراضي الخث الهولندية إلى نشاط زراعي واسع النطاق.
ومع ذلك، يقدم المشروع نموذجًا لكيفية دفع تغير المناخ والضغوط البيئية المزارعين والباحثين إلى إعادة التفكير في أنواع المحاصيل التي يمكن زراعتها، وكذلك في الطريقة التي يمكن بها إدارة الأراضي الزراعية الرطبة مستقبلًا.
فما بدأ كتجربة محدودة على مساحة صغيرة قد يتحول إلى مسار بحثي مهم يجمع بين تطوير الإنتاج الزراعي والتكيف مع المناخ والحفاظ على الأراضي، في وقت تبحث فيه دول عديدة عن حلول جديدة تضمن استمرار الزراعة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط المياه.