ملوحة التربة ومياه الري.. مشكلة يمكن إدارتها وحماية المحصول من آثارها
تُعد ملوحة التربة ومياه الري من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث يمكن أن يؤدي تراكم الأملاح في منطقة انتشار الجذور إلى انخفاض قدرة النبات على الاستفادة من المياه، ومن ثم التأثير في النمو والإنتاجية.
وتكمن المشكلة الأساسية في ارتفاع تركيز الأملاح إلى مستويات تتجاوز قدرة المحصول على التحمل، وليس مجرد وجود الأملاح في التربة أو مياه الري، إذ تختلف درجة تحمل الملوحة من محصول إلى آخر.
كيف تتراكم الأملاح في منطقة الجذور؟
تحتوي مياه الري بصورة طبيعية على أملاح ذائبة، ومع امتصاص النبات للمياه وعدم امتصاصه لجميع الأملاح المصاحبة لها، ومع استمرار الري وارتفاع معدلات البخر والنتح، يمكن أن تتراكم الأملاح تدريجيًا في منطقة انتشار الجذور.
وهنا تبرز أهمية الإدارة الجيدة للري، إلى جانب إجراء عمليات غسيل الأملاح ونقلها خارج منطقة الجذور، خاصة في الأراضي الواقعة بالمناطق الجافة وشبه الجافة.
الملوحة تؤثر على قدرة النبات على الحصول على الماء
وتؤدي زيادة تركيز الأملاح في التربة إلى تقليل قدرة النبات على الاستفادة من المياه، ما يعرضه للإجهاد ويؤثر على معدلات النمو والإنتاج.
وتختلف المحاصيل في قدرتها على تحمل الملوحة، حيث توجد محاصيل حساسة، وأخرى متوسطة الحساسية، ومحاصيل متوسطة التحمل، بالإضافة إلى محاصيل أكثر قدرة على تحمل المستويات المرتفعة من الأملاح.
ومن بين المحاصيل الحساسة للملوحة الفاصوليا والفراولة والأفوكادو والليمون، بينما تشمل المحاصيل الأكثر تحملًا للملوحة القطن والبنجر والبرسيم الحجازي ونبات البرمودا، وفقًا للتقسيمات الزراعية الواردة في المادة العلمية.
تحليل التربة ومياه الري خطوة أساسية
ولا يكفي الاعتماد على قياس ملوحة مياه الري فقط، خاصة عند إنشاء أو استصلاح الأراضي الجديدة، إذ يجب إجراء تحليل لمياه الري والتربة معًا.
كما يجب الانتباه إلى بعض العناصر التي قد تسبب أضرارًا للنبات، مثل الصوديوم والكلوريد والبورون، والتي قد تؤثر على المحاصيل حتى في الحالات التي لا تكون فيها الملوحة الكلية مرتفعة بصورة كبيرة.
غسيل الأملاح وتحسين الصرف
ويمكن الحد من أضرار الملوحة من خلال إجراء عمليات غسيل الأملاح من قطاع التربة، والحفاظ على مستوى مناسب من رطوبة منطقة الجذور، واختيار المحاصيل الأكثر تحملًا عند الحاجة، إلى جانب تحسين الصرف الزراعي واختيار نظام الري الملائم.
وفي المناطق الجافة وشبه الجافة، قد يتطلب الأمر إضافة كمية من مياه الري تتجاوز الاحتياجات المائية المباشرة للمحصول بهدف المساعدة على غسل الأملاح بعيدًا عن منطقة الجذور.
الأمطار قد تساعد على غسل الأملاح
وتسهم الأمطار الغزيرة في غسل الأملاح من منطقة الجذور، ولذلك تكون مشكلة تراكم الأملاح أقل حدة في المناطق التي تتميز بارتفاع معدلات الأمطار.
أما الأمطار الضعيفة، خاصة في الأراضي التي تعتمد على الري بالتنقيط، فقد لا تكون كافية لغسل الأملاح، بل يمكن أن تؤدي في بعض الحالات إلى إذابة الأملاح المتراكمة وتحريكها باتجاه منطقة الجذور.
ولذلك تحتاج الأراضي التي تتعرض لأمطار ضعيفة إلى متابعة إدارة شبكة الري وعمليات غسيل الأملاح وفقًا لحالة التربة والمحصول.
الشتلات أكثر حساسية للملوحة
وتكون البذور والشتلات الصغيرة أكثر حساسية للملوحة، ما يستدعي مراعاة أماكن تجمع الأملاح عند تخطيط المصاطب وتحديد مواقع الزراعة، لتقليل تعرض الجذور الصغيرة لتركيزات مرتفعة من الأملاح.
الصرف الجيد أساس استصلاح الأراضي المالحة
ويستهدف استصلاح الأراضي المالحة خفض تركيزات الأملاح المرتفعة داخل قطاع التربة، من خلال الجمع بين غسيل الأملاح وتوفير الصرف الجيد.
ولا يقتصر الأمر على غسل منطقة الجذور فقط في بعض الحالات، وإنما قد يتطلب التعامل مع قطاع التربة بالكامل، مع توفير نظام صرف مناسب، سواء كان صرفًا طبيعيًا أو من خلال إنشاء مصارف سطحية أو تحت سطحية، وفقًا لطبيعة الأرض وظروفها.
الصوديوم وتأثيره على خواص التربة
ويمثل ارتفاع تركيز الصوديوم في التربة أو مياه الري مشكلة إضافية، إذ يمكن أن يؤدي إلى تفكك تجمعات حبيبات التربة، بما يؤثر على حركة المياه والهواء داخلها.
وفي المقابل، يساعد الكالسيوم والمغنيسيوم على المحافظة على تجمع حبيبات التربة وتحسين حركة ونفاذ المياه والهواء داخل القطاع الأرضي.
إدارة الملوحة تبدأ قبل ظهور الأعراض
وتؤكد التوصيات الزراعية أن التعامل مع مشكلة الملوحة لا يعتمد على زيادة كميات مياه الري بصورة عشوائية، وإنما يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بتحليل التربة ومياه الري، واختيار المحصول المناسب، وإدارة الري بكفاءة، وإجراء عمليات غسيل الأملاح، إلى جانب توفير الصرف الزراعي الجيد.
وبالتالي، فإن اكتشاف مؤشرات الملوحة والتعامل معها مبكرًا يساعد على حماية منطقة الجذور والحفاظ على إنتاجية المحصول، بدلًا من انتظار ظهور الأعراض على النباتات ثم محاولة علاج المشكلة بعد تفاقمها.