الدكتور محمد علي فهيم: المناخ أولًا ثم الزراعة.. التوقيت المناسب واختيار الصنف مفتاح نجاح موسم القمح الجديد
أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن نجاح موسم القمح الجديد لا يتوقف فقط على اختيار موعد الزراعة أو توفير التقاوي وتنظيم الري، بل يرتبط بدرجة كبيرة بفهم الظروف المناخية والتعامل معها وفقًا للاحتياجات الفعلية للمحصول، باعتباره أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي المصري.
وأوضح فهيم أن القمح من المحاصيل شديدة التأثر بالتغيرات المناخية، إذ تتأثر إنتاجيته بتوقيتات ارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها، وتوزيع الأمطار، ومستويات الرطوبة، وحركة الرياح، ومواعيد تعرض النباتات للموجات الباردة والدافئة، لا سيما خلال مراحل النمو الحساسة وحتى امتلاء الحبوب ونضجها.
وأشار إلى أن المواسم الزراعية الماضية قدمت العديد من الدروس المهمة بشأن تأثير التقلبات المناخية على إنتاجية القمح، سواء نتيجة ارتفاع درجات الحرارة خلال مراحل امتلاء الحبوب، أو ظهور إصابات بالصدأ الأصفر في بعض الأصناف والمناطق، أو تعرض بعض الحقول للرقاد نتيجة الأمطار الغزيرة والسيول، فضلًا عن تأثير الشتاءات الدافئة والجافة واضطراب توقيتات البرودة والدفء في نهاية الموسم.
وشدد على ضرورة الاستعداد المبكر للموسم الجديد، من خلال الجمع بين المتابعة الميدانية للمحاصيل ومراقبة التغيرات المناخية، بما يساعد على اتخاذ القرارات الزراعية المناسبة وتقليل احتمالات تعرض المحصول للخسائر.
موعد الزراعة.. لا للتبكير المفرط أو التأخير
وأوضح فهيم أن الموعد المناسب لزراعة القمح في معظم مناطق الجمهورية يبدأ من 10 نوفمبر وحتى أوائل ديسمبر، مع ضرورة مراعاة الاختلافات الجغرافية والظروف المحلية والتوصيات الفنية الخاصة بكل منطقة وصنف.
وحذر من التبكير المفرط في الزراعة خلال شهر أكتوبر، لما قد يترتب عليه من زيادة النمو الخضري وتبكير بعض مراحل النمو الحساسة، فضلًا عن زيادة احتمالات التعرض لمشكلات مرتبطة بالظروف الجوية والآفات والأمراض.
وفي المقابل، لفت إلى أن التأخير المفرط في الزراعة قد يؤدي إلى ضعف التفريع والنمو، ويزيد احتمالات تعرض مراحل امتلاء الحبوب لدرجات الحرارة المرتفعة في نهاية الموسم، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الإنتاجية.
وأكد أن الالتزام بالموعد الملائم يمثل إحدى أهم خطوات نجاح الموسم، قائلًا إن التبكير غير المدروس والتأخير دون مبرر قد يكلفان المزارع جزءًا من إنتاجيته المتوقعة.
التقاوي المعتمدة والخريطة الصنفية أساس اختيار المحصول
وفيما يتعلق بالتقاوي، شدد فهيم على أهمية الاعتماد على التقاوي المعتمدة ذات الحيوية والقدرة الجيدة على الإنبات، والحصول عليها من مصادر موثوقة، محذرًا من استخدام تقاوي مجهولة المصدر أو الاعتماد على الحبوب الناتجة من مواسم سابقة دون التأكد من صلاحيتها للزراعة.
وأضاف أن اختيار الصنف المناسب لا يقل أهمية عن تحديد موعد الزراعة، موضحًا أن الأصناف تختلف في مدى ملاءمتها للمناطق الجغرافية وطبيعة الأراضي ومواعيد الزراعة والظروف المناخية السائدة.
ودعا المزارعين إلى الالتزام بالخريطة الصنفية والتوصيات الرسمية الصادرة عن مركز البحوث الزراعية ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وعدم اختيار الأصناف بناءً على تجارب فردية أو توصيات غير معتمدة.
وأشار إلى أن هناك أصنافًا موصى بها لمناطق الوجه البحري ومصر الوسطى ومصر العليا والأراضي الجديدة، مع اختلاف التوصيات وفقًا للمنطقة، مؤكدًا أن نجاح الاختيار يتطلب التوافق بين الصنف وموقع الزراعة وموعدها.
كما لفت إلى أهمية مراعاة الخصائص الفنية لكل صنف، بما في ذلك مدى ملاءمته للزراعات المتأخرة وفقًا للتوصيات المعتمدة، بدلًا من تعميم صنف واحد على جميع المناطق والظروف.
الزراعة على المصاطب.. وسيلة لترشيد المياه وتحسين الإنتاجية
وأشار فهيم إلى أن الزراعة على المصاطب من الممارسات التي تستحق التوسع في تطبيقها عند ملاءمتها لطبيعة الأرض ونظام الري، لما يمكن أن تحققه من تحسين توزيع النباتات، وترشيد استخدام التقاوي، ورفع كفاءة استخدام مياه الري، وتقليل بعض الأعباء المرتبطة بالعمليات الزراعية.
وأضاف أن المصاطب المرتفعة قد تكون مناسبة في بعض الأراضي التي تعاني من مشكلات الصرف أو الملوحة، شريطة تطبيقها وفقًا للتوصيات الفنية التي تراعي طبيعة التربة وخصائصها.
وأكد أن تحقيق الاستفادة من هذه الممارسة يتطلب التنفيذ السليم والمتابعة المستمرة، بما يساعد على تحسين فرص الحصول على إنتاجية جيدة مع ترشيد استخدام الموارد المتاحة.
إدارة الري.. التوازن يحمي المحصول
وفي ملف الري، أوضح فهيم أن القمح يحتاج إلى إدارة دقيقة لمياه الري، بحيث لا يتعرض النبات للعطش أو للغمر بالمياه، مع مراعاة نوع التربة والظروف الجوية وطريقة الري واحتياجات المحصول خلال مراحل نموه المختلفة.
وشدد على أهمية توفير المياه خلال المراحل الحرجة، وفي مقدمتها التفريع، والاستطالة وطرد السنابل، والتزهير والإخصاب، ومرحلة امتلاء الحبوب، نظرًا لتأثير الإجهاد المائي خلال هذه الفترات على نمو النبات ومكونات المحصول.
وفي المقابل، حذر من الإفراط في الري، لما قد يسببه من مشكلات في منطقة الجذور وزيادة احتمالات الرقاد وبعض الأمراض، خاصة في الأراضي التي تعاني من ضعف الصرف.
كما دعا إلى مراعاة الظروف الجوية عند تحديد مواعيد الري، وتجنب الري أثناء هبوب الرياح الشديدة قدر الإمكان، خصوصًا في الحالات التي ترتفع فيها احتمالات تعرض النباتات للرقاد.
الصدأ الأصفر.. المتابعة المبكرة ضرورة
وحول المخاطر المرضية المرتبطة بالظروف المناخية، أكد فهيم أهمية المتابعة المستمرة لمحصول القمح، خاصة عند توافر ظروف البرودة والرطوبة وفترات البلل التي قد تساعد على انتشار بعض الأمراض الفطرية، وفي مقدمتها الصدأ الأصفر في الأصناف والمناطق القابلة للإصابة.
وشدد على ضرورة عدم انتظار ظهور الإصابة بصورة واسعة داخل الحقول، بل الاعتماد على الفحص الدوري والرصد المبكر، مع الرجوع إلى الإرشادات والتوصيات الفنية المعتمدة فور الاشتباه في ظهور الأعراض.
وأوضح أن اختيار الصنف المناسب ومتابعة الحالة المناخية واكتشاف الإصابات مبكرًا تمثل عناصر أساسية في تقليل المخاطر وحماية الإنتاجية، مؤكدًا أن الوقاية والمتابعة الاستباقية أكثر فاعلية من التحرك بعد تفاقم المشكلة.
رسالة للمزارعين: افهم المناخ قبل أن تزرع
واختتم الدكتور محمد علي فهيم بالتأكيد على أن نجاح موسم القمح يبدأ قبل وضع التقاوي في الأرض، من خلال فهم الظروف المناخية، واختيار الموعد المناسب، والالتزام بالخريطة الصنفية، واستخدام تقاوي معتمدة، وتطبيق الممارسات الزراعية السليمة في الزراعة والري والمتابعة الحقلية.
وأكد أن التعامل الواعي مع المتغيرات المناخية يمثل ضرورة لتعزيز قدرة المزارعين على مواجهة المخاطر، والحفاظ على إنتاجية المحصول، ودعم منظومة الأمن الغذائي، مشددًا على أهمية وصول التوصيات الفنية إلى المزارعين في الوقت المناسب، بما يسهم في حماية الموسم الزراعي وتحقيق أفضل عائد ممكن.