سر داخل أعماق المحيطات.. كيف تحمي اللزوجة الكربون من التحلل؟

قدرة المحيطات على
قدرة المحيطات على تخزين الكربون

كشف علماء عن عامل غير متوقع يتحكم في قدرة المحيطات على تخزين الكربون، يتمثل في درجة لزوجة الجسيمات العضوية التي تهبط من سطح المياه إلى الأعماق، والمعروفة باسم «الثلوج البحرية»، في اكتشاف يسلط الضوء على آلية جديدة لفهم دور المحيطات في تنظيم مناخ الأرض ومواجهة التغيرات المناخية.

تخزين الكربون

وأظهرت دراسة علمية حديثة أن الجسيمات البحرية الأكثر لزوجة تستطيع نقل كميات من الكربون إلى أعماق المحيطات تزيد على ستة أضعاف ما تنقله الجسيمات الأقل لزوجة، ما يشير إلى أن الخصائص الفيزيائية لهذه التجمعات العضوية تؤثر بصورة كبيرة في كمية الكربون التي يمكن أن تبقى معزولة عن الغلاف الجوي لفترات طويلة.

ما الثلوج البحرية وكيف تخزن الكربون؟

تتكون الثلوج البحرية من تجمعات متنوعة من المواد العضوية، تشمل المخاط والكائنات العوالقية الميتة والفضلات والكائنات الدقيقة والرواسب الدقيقة. وتتجمع هذه المكونات في جسيمات تهبط تدريجيًا من الطبقات السطحية للمحيطات، التي يصل إليها ضوء الشمس، إلى المياه العميقة والمظلمة.

ورغم صغر حجم هذه الجسيمات، فإنها تؤدي دورًا محوريًا في دورة الكربون العالمية، إذ تنقل الكربون من سطح المحيط إلى طبقاته العميقة، حيث يمكن أن يظل مخزنًا بعيدًا عن الغلاف الجوي لمئات أو آلاف السنين.

ويشير العلماء إلى أن الثلوج البحرية تنقل أكثر من 10 مليارات طن من الكربون سنويًا، إلا أن جزءًا محدودًا فقط يصل إلى الأعماق التي تسمح بعزله لفترات طويلة. وتقدر الدراسة أن نحو ملياري طن من الكربون يصل إلى هذه الأعماق، بينما يتحلل الجزء الأكبر من الجسيمات خلال رحلته إلى الأسفل، ما يؤدي إلى عودة الكربون إلى المياه قبل وصوله إلى القاع.

وتلعب البكتيريا دورًا رئيسيًا في هذه العملية، إذ تتغذى على المواد العضوية وتفكك الجسيمات أثناء هبوطها. لكن كيفية تأثير البنية الفيزيائية للمخاط البحري في قدرة البكتيريا على اختراق هذه التجمعات ظلت غير واضحة، حتى تمكن الباحثون من تطوير وسائل جديدة لرصد هذه التفاعلات على مستوى الجسيمات والخلايا الفردية.

أربع سنوات من المحاولات تقود إلى اكتشاف جديد

بدأ برايس إنمان، الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، العمل على تصوير البنية الدقيقة للمخاط البحري عام 2021، بهدف فهم كيفية تفاعل البكتيريا مع هذه البيئة المعقدة.

وبعد محاولات استمرت أربع سنوات، نجح فريق البحث في تطوير تقنية تصوير عام 2025، جمعت بين المجهر متحد البؤر ثلاثي الأبعاد وأصباغ فلورية متخصصة تزداد إضاءتها في البيئات الأعلى لزوجة.

وأتاحت التقنية الجديدة إنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد للجسيمات الفردية من الثلوج البحرية، ومراقبة حركة البكتيريا داخلها، وتحديد المناطق التي يمكن للكائنات الدقيقة اختراقها بسهولة، وتلك التي تشكل عائقًا أمام حركتها.

وكشفت الصور أن الجسيمات البحرية ليست متجانسة في تركيبها، بل تحتوي على مناطق متفاوتة في اللزوجة والكثافة، حتى داخل الجسيم الواحد، وهو ما يساعد على تفسير الاختلاف في معدلات تحللها ومقدار الكربون الذي تنقله إلى الأعماق.

كيف تحمي اللزوجة الكربون من التحلل؟

أظهرت النتائج أن البكتيريا تستطيع الوصول بسهولة نسبية إلى الأجزاء الخارجية الأقل لزوجة من الجسيمات البحرية، بينما تواجه صعوبة أكبر في اختراق المناطق الداخلية الأكثر لزوجة وكثافة.

وأوضح إنمان أن البكتيريا يمكنها الالتصاق بالأجزاء الأقل لزوجة، لكنها تحتاج إلى تفكيك البنية المحيطة بها حتى تتمكن من الوصول إلى المناطق الأكثر لزوجة.

ولتوضيح هذه الآلية، شبّه الباحث الأمر بدودة تحاول اختراق ثمرة تفاح؛ إذ يسهل عليها اختراق الأجزاء الطرية، بينما تتطلب المناطق الأكثر صلابة جهدًا أكبر.

وبناءً على ذلك، تكون الجسيمات الأعلى لزوجة أكثر مقاومة للتحلل البكتيري، ما يساعدها على الاحتفاظ بتركيبها لفترة أطول ومواصلة الهبوط إلى أعماق أكبر قبل أن تتفكك وتطلق الكربون الذي تحتوي عليه.

كما دعمت المحاكاة الحاسوبية هذه النتائج، وأظهرت ارتباطًا بين ارتفاع لزوجة الجسيمات وقدرتها على الوصول إلى أعماق أكبر داخل المحيطات.

الجسيمات الأكثر لزوجة تنقل أكثر من 6 أضعاف الكربون

أكدت التجارب المعملية أن الجسيمات البحرية الأعلى لزوجة تستغرق وقتًا أطول حتى تتفكك بفعل البكتيريا، ما يمنحها فرصة أكبر لنقل الكربون إلى الطبقات العميقة.

وأظهرت حسابات الباحثين أن هذه الجسيمات يمكنها نقل أكثر من ستة أضعاف كمية الكربون التي تنقلها الجسيمات الأقل لزوجة إلى أعماق المحيطات.

ويبرز هذا الفارق أهمية الخصائص الفيزيائية للجسيمات العضوية في تحديد كفاءة المحيطات في تخزين الكربون، إلى جانب العوامل البيولوجية والكيميائية التي سبق أن درسها العلماء.

وأشار إنمان إلى أن تحديد المسافة التي يمكن أن تقطعها الثلوج البحرية قبل تحللها يمثل مسألة أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، موضحًا أن تأثير اللزوجة يضيف عنصرًا جديدًا إلى فهم هذه العملية.

تقنية جديدة تفتح آفاقًا لأبحاث بيولوجية أوسع

لا تقتصر أهمية الدراسة على فهم دورة الكربون في المحيطات، بل تمتد إلى تطوير وسائل جديدة لرصد التفاعلات الدقيقة بين البكتيريا والمخاط في بيئات حيوية متعددة.

فقد تتيح تقنية التصوير الجديدة دراسة العلاقات بين المخاط والكائنات الدقيقة في الشعاب المرجانية وغابات عشب البحر والجذور النباتية، إلى جانب الأغشية المخاطية في الجهاز الهضمي للإنسان.

ويمثل المخاط عنصرًا أساسيًا في العديد من الأنظمة البيئية والبيولوجية، إلا أن دراسة بنيته الدقيقة ظلت صعبة بسبب تعقيد تركيبه وتداخل مكوناته، فضلًا عن صعوبة تتبع حركة الكائنات الدقيقة داخله.

وأوضح إنمان أن البنية الداخلية للمخاط أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، إذ تضم نتوءات وتجاويف وتفاصيل دقيقة تتيح التقنيات الحديثة دراستها بصورة أكثر وضوحًا.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Science»، فيما تناولت ورقة بحثية مصاحبة، منشورة في مجلة «Nature Communications»، تقنية التصوير المستخدمة، بما يفتح المجال أمام تطبيقها في مجالات بحثية تتجاوز علوم المحيطات.

وتعزز هذه النتائج فهم العلماء للآليات التي تتحكم في انتقال الكربون وتخزينه داخل المحيطات، وتؤكد أن التفاصيل الفيزيائية الدقيقة للمواد العضوية قد تؤدي دورًا مؤثرًا في دورة الكربون العالمية، بما يساعد على تطوير نماذج أكثر دقة لفهم المناخ وتغيراته.

تم نسخ الرابط