خفض انبعاثات الميثان قد يجنب العالم 0.2 درجة من الاحترار بحلول 2050
بينما يتركز الاهتمام العالمي على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتحول إلى الطاقة النظيفة، تبرز فرصة أخرى لمكافحة الاحتباس الحراري، تتمثل في الحد من الملوثات فائقة التأثير المناخي، التي تسهم مجتمعة في نحو نصف الاحترار الحالي، ويمكن تقليص انبعاثات العديد منها باستخدام تقنيات متاحة بالفعل.
الاحتباس الحراري
وتشمل هذه الملوثات غاز الميثان، والكربون الأسود المعروف بالسخام، والأوزون القريب من سطح الأرض، وأكسيد النيتروز، وغازات التبريد عالية القدرة على احتجاز الحرارة. ورغم أن بعض هذه الملوثات يبقى في الغلاف الجوي فترات أقصر من ثاني أكسيد الكربون، فإن تأثيره في درجات الحرارة قد يكون كبيرًا، ما يجعل خفض انبعاثاته فرصة لتسريع جهود الحد من الاحترار خلال السنوات المقبلة.
وفي تحليل نشرته وكالة «رويترز»، تبرز ماريا مينديلوس أن العالم يمتلك بالفعل أدوات عملية للحد من هذه الملوثات، لكن التحدي الرئيسي يتمثل في بطء التحرك وعدم توسيع نطاق تطبيق الحلول بالسرعة المطلوبة.
وتزايد الاهتمام بهذه القضية بين الشركات خلال أسبوع المناخ في نيويورك، مع إطلاق خارطة طريق جديدة تستهدف مساعدة الشركات على خفض الانبعاثات عبر سلاسل القيمة والتمويل والمشاركة في صياغة السياسات. كما تعهدت شركات، من بينها أمازون وجوجل وجيه بي مورجان تشيس وسيلزفورس ووركداي، بتقديم 100 مليون دولار لدعم مبادرة لمواجهة هذه الملوثات حتى عام 2030.
خفض الملوثات.. نتائج أسرع في مواجهة الاحترار
تنبع أهمية الملوثات فائقة التأثير من إمكانية تحقيق نتائج مناخية أسرع نسبيًا مقارنة بالتحولات الهيكلية اللازمة لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي، مثل التوسع في الكهرباء النظيفة، وكهربة النقل والصناعة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ووفقًا لتقديرات ائتلاف المناخ والهواء النظيف، يمكن للتدابير المثبتة لخفض انبعاثات الميثان وحدها أن تتجنب نحو 0.2 درجة مئوية من الاحترار بحلول عام 2050.
ورغم أن هذا الرقم قد يبدو محدودًا، فإنه يحمل أهمية كبيرة في ظل المساعي العالمية للحد من كل جزء من الدرجة المئوية، وتقليل مخاطر موجات الحر والجفاف والفيضانات وتدهور النظم البيئية.
ولا يعني ذلك أن خفض الملوثات فائقة التأثير يمكن أن يحل محل تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إذ يظل خفض هذا الغاز ضروريًا لتحقيق الاستقرار المناخي على المدى الطويل. لكن الجمع بين المسارين يمنح العالم فرصة لتقليل الاحترار على المدى القريب، بالتوازي مع معالجة أسبابه الهيكلية.
الميثان.. خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة
يمثل الميثان أحد أبرز أهداف التحرك المناخي العاجل، إذ تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى مسؤوليته عن نحو 30% من الارتفاع في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ الثورة الصناعية.
ورغم توافر تقنيات قادرة على الحد من جزء كبير من انبعاثاته، لا تزال الوكالة الدولية للطاقة لا ترصد مؤشرات كافية على تراجع الانبعاثات الناتجة عن عمليات الوقود الأحفوري.
وبحسب تحليل الوكالة، يمكن خفض نحو 70% من انبعاثات الميثان المرتبطة بعمليات الوقود الأحفوري باستخدام التقنيات الحالية، كما يمكن تجنب أكثر من 35 مليون طن متري من الانبعاثات سنويًا دون تكلفة صافية، استنادًا إلى أسعار الطاقة في عام 2025.
وتشمل الحلول اكتشاف التسربات وإصلاحها، واستبدال المعدات التي تطلق الميثان عمدًا، واستعادة الغاز الذي كان سيتسرب إلى الغلاف الجوي، وإنهاء الحرق والتنفيس الروتينيين، مع الالتزام بإجراءات السلامة الضرورية.
ولا تقتصر المكاسب على حماية المناخ؛ إذ يمكن أن يؤدي خفض انبعاثات الميثان من عمليات النفط والغاز وإنهاء الحرق الروتيني غير المرتبط بحالات الطوارئ إلى إتاحة نحو 200 مليار متر مكعب إضافية من الغاز للأسواق سنويًا، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة.
وبذلك، يمكن للحد من التسربات والحرق أن يحقق مكاسب مزدوجة، تتمثل في تقليل الاحترار والاستفادة من كميات إضافية من الغاز بدلًا من إهدارها، بما يدعم أمن الطاقة ويحد من الخسائر الاقتصادية.
الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لرصد مصادر التلوث
أصبحت مراقبة الانبعاثات أكثر دقة بفضل الأقمار الصناعية والطائرات وأجهزة الاستشعار الثابتة، إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعد على تحديد مصادر التلوث ورصد مواقع التسربات.
وتتيح هذه التقنيات توجيه الاستثمارات إلى المنشآت والمواقع التي يمكن أن تحقق أكبر خفض فعلي في الانبعاثات، بدلًا من توزيع الموارد بصورة أقل كفاءة.
وتشير تقديرات مشروع «كلايمت تريس» (Climate TRACE)، الذي يعتمد على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لتتبع الانبعاثات، إلى أن أعلى 10% من مكبات النفايات التي يراقبها المشروع مسؤولة عن نحو 70% من انبعاثات الميثان الناتجة عن النفايات ضمن نطاق رصده.
وتوفر هذه البيانات فرصة للمدن والشركات والمستثمرين لتحديد المواقع ذات الأولوية، وتطوير مشروعات تستهدف خفض الانبعاثات بصورة ملموسة، خصوصًا في قطاع النفايات، الذي يمكن أن يحقق مكاسب مناخية مهمة من خلال تحسين إدارة المكبات وجمع الغاز ومعالجته.
الزراعة.. خفض الميثان دون التضحية بالإنتاجية
لا تقتصر فرص خفض الملوثات فائقة التأثير على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الزراعة، التي يمكنها تحقيق تخفيضات مهمة من خلال تعديل بعض الممارسات الزراعية دون الإضرار بالإنتاجية.
وفي زراعة الأرز، يمكن لتقنية الري بالتجفيف المتناوب أن تخفض انبعاثات الميثان بنسبة تتراوح بين 30% و70%. وتعتمد هذه التقنية على تصريف المياه دوريًا ثم إعادة غمر الحقول، بدلًا من إبقائها مغمورة باستمرار طوال موسم الزراعة.
وإلى جانب تقليل انبعاثات الميثان، تساعد هذه الممارسة على خفض استهلاك المياه وتكاليف الري، وتعزيز قدرة المزارعين على التكيف مع الضغوط المائية المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ.
وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في الدول التي تعتمد على الأرز محصولًا رئيسيًا، وتعاني في الوقت نفسه من ندرة المياه أو ارتفاع تكلفة توفيرها.
كما يسهم خفض الميثان في الحد من تكوّن الأوزون القريب من سطح الأرض، الذي يضر بالمحاصيل ويقلل إنتاجيتها، بما يربط بين حماية المناخ وتعزيز الأمن الغذائي.
غازات التبريد.. تحدٍ يتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة
يمثل قطاع التبريد تحديًا إضافيًا، مع تزايد الطلب على أجهزة تكييف الهواء في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا.
وتتوقع الأمم المتحدة للبيئة أن يزيد الطلب على التبريد بأكثر من ثلاثة أضعاف بحلول عام 2050، ما يعزز أهمية منع تسرب غازات التبريد ذات القدرة العالية على الاحترار، والتحول إلى بدائل أقل تأثيرًا مناخيًا، واستعادة الغازات من الأجهزة عند انتهاء عمرها التشغيلي.
وبعض هذه الغازات أقوى بآلاف المرات من ثاني أكسيد الكربون في احتجاز الحرارة، ما يجعل حتى التسربات الصغيرة نسبيًا ذات أهمية مناخية كبيرة، بحسب نوع الغاز وكميته والفترة الزمنية المستخدمة للمقارنة.
وتشمل الإجراءات المطلوبة تحسين صيانة أجهزة التبريد، واستخدام معدات أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا مناخيًا، وضمان جمع غازات التبريد وإعادة تدويرها أو التخلص منها بطريقة آمنة، بدلًا من إطلاقها في الغلاف الجوي.
ويواجه العالم هنا تحديًا مزدوجًا؛ يتمثل في تلبية الطلب المتزايد على التبريد لحماية السكان من الحرارة الشديدة، مع تجنب زيادة الانبعاثات التي تسهم في تفاقم المشكلة المناخية نفسها.
الكربون الأسود.. مخاطر مناخية وصحية
يُعد الكربون الأسود، المعروف بالسخام، من الملوثات التي تجمع بين الأضرار المناخية والصحية. وينتج عن الاحتراق غير الكامل للوقود والكتلة الحيوية، بما يشمل انبعاثات محركات الديزل ومواقد الطهي وحرائق الغابات وحرق الفحم والمواد العضوية.
ولا يقتصر تأثيره على المساهمة في الاحترار، إذ يرتبط تلوث الهواء الناتج عن مصادره بأمراض القلب والرئة والوفاة المبكرة.
ومن ثم، يمكن أن يؤدي خفض انبعاثاته إلى تحقيق فوائد متزامنة، تشمل تحسين جودة الهواء وتقليل المخاطر الصحية والحد من التأثيرات المناخية، خصوصًا في المناطق الحضرية والمجتمعات التي تتعرض لمستويات مرتفعة من التلوث.
وتتطلب مواجهة هذه المشكلة تحسين تقنيات الاحتراق، وتشديد معايير الانبعاثات للمركبات والمنشآت الصناعية، والحد من الحرق المكشوف، والتوسع في بدائل الطاقة النظيفة في الطهي والنقل والصناعة.
الشركات والحكومات.. مسؤولية مشتركة لخفض الانبعاثات
يمكن للشركات أن تؤدي دورًا محوريًا في خفض الملوثات فائقة التأثير، من خلال تحديد مصادرها في العمليات التشغيلية وسلاسل التوريد، وإدراجها ضمن خطط التحول المناخي، وقياس النتائج والإفصاح عنها بصورة قابلة للتحقق.
وقد تتركز الانبعاثات في تسربات الميثان من منشآت النفط والغاز، أو غازات التبريد في المباني ومراكز البيانات، أو التلوث الناتج عن الاحتراق، أو الانبعاثات الزراعية ومواقع التخلص من النفايات.
ويمكن للشركات التي لا تملك سيطرة مباشرة على مصادر الانبعاثات التعاون مع الموردين والمستثمرين والجهات التنظيمية لتوسيع نطاق الخفض وتحقيق نتائج ملموسة.
لكن المبادرات الطوعية وحدها لا تكفي لتحقيق التحول المطلوب، إذ يتعين على الحكومات وضع معايير أكثر صرامة لغازات التبريد واستعادتها، وإلزام المنشآت بقياس انبعاثات الميثان والكشف الدوري عن التسربات، وتقييد الحرق والتنفيس الروتينيين، وتشديد قواعد التلوث الصناعي وانبعاثات الديزل، ودعم الممارسات الزراعية وأساليب إدارة النفايات التي تقلل الملوثات.
الحلول موجودة.. والتحدي في سرعة التنفيذ
تكشف هذه الفرص أن العالم لا يفتقر إلى الأدلة العلمية أو التقنيات والحلول القابلة للتطبيق، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات وتوسع أسرع في التنفيذ.
فخفض الملوثات فائقة التأثير لن يغني عن تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكنه يوفر أداة إضافية للحد من الاحترار خلال العقد المقبل، بالتوازي مع التحولات الأعمق في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل.
وتكمن أهمية هذا المسار في قدرته على تحقيق نتائج مناخية وصحية واقتصادية خلال فترة أقصر نسبيًا، مع الاستفادة من تقنيات متاحة بالفعل، وتحويل خفض الانبعاثات من التزام بيئي طويل الأجل إلى فرصة عملية لتعزيز أمن الطاقة وكفاءة استخدام الموارد والقدرة على التكيف مع تغير المناخ.