نحو أمن غذائي مشترك.. خبراء يطالبون بزراعة 1.6 مليون فدان خلف السد العالي بالقمح والذرة
تتصدر مشروعات التكامل الزراعي بين مصر والسودان مشهد الاقتصاد الإقليمي كضرورة حتمية لمواجهة الأزمات العالمية، حيث أوصى خبراء ومسؤولون بضرورة الاستغلال الفوري للمساحات الشاسعة خلف السد العالي، والبالغة نحو 1.6 مليون فدان، لزراعة المحاصيل الاستراتيجية وفي مقدمتها القمح والذرة الصفراء.
جاء ذلك خلال ندوة "سلاسل القيمة الزراعية بين مصر والسودان" التي نظمتها الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الزراعية، برئاسة الدكتور سعد نصار.
حيث أكد المشاركون أن تعظيم العائد من البحوث العلمية المصرية والموارد السودانية التي تشمل 200 مليون فدان صالح للزراعة و175 مليون رأس من الماشية، هو السبيل الوحيد لتحقيق طفرة زراعية شاملة.
دلتا جديدة على ضفاف النيل واستغلال طمي بحيرة ناصر
كشف الدكتور خيري حامد العشماوي، رئيس قسم الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث ومنسق الندوة، عن رؤية طموحة تهدف إلى إقامة "دلتا جديدة" على نهر النيل، قاعدتها في السودان ورأسها في مصر، وذلك من خلال الاستفادة من ترسيبات الطمي ببحيرة ناصر المقدرة بنحو 3.6 مليار طن.
وأوضح العشماوي أن هذه المساحات الممتدة خلف السد العالي تمثل كنزاً استراتيجياً لزراعة الحبوب بالاعتماد على مياه البحيرة، مشيراً إلى أن توزيع الطمي بنسبة 15% داخل الحدود المصرية و85% داخل الحدود السودانية يفرض ضرورة التنسيق لإنشاء مشروعات زراعية كبرى تضمن تدفق المحاصيل الأساسية للأسواق العربية.
التصنيع الزراعي ورفع القيمة المضافة للمنتجات المشتركة
لم تقتصر التوصيات على الزراعة الأولية، بل امتدت لتشمل رفع القيمة المضافة عبر إنشاء مجمعات للصناعات الغذائية بالقرب من مناطق الإنتاج، خاصة في السودان.
ويرى الخبراء أن التركيز يجب أن ينصب على إنتاج الزيوت النباتية من عباد الشمس والسمسم، وتطوير صناعات الألبان واللحوم المصنعة.
ولتحقيق ذلك، شددت الندوة على أهمية ربط الإنتاج الزراعي في السودان بشركات تسويق متخصصة، مع الاعتماد على التكنولوجيات المصرية المتقدمة لتطوير منظومة التجارة، وفتح آفاق التصدير إلى الأسواق الأوروبية والعالمية عبر الموانئ المصرية، مستفيدين من الاتفاقيات الدولية التي تتمتع بها مصر.
التحول الرقمي والزراعة الذكية لمواجهة التغيرات المناخية
وفي ظل التحديات البيئية الراهنة، أكد المشاركون ومن بينهم البروفيسور إبراهيم الدخيري، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية، على حتمية الانتقال نحو الزراعة الذكية واستخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية لترشيد استهلاك المياه.
ودعت التوصيات إلى ربط مراكز البحوث في البلدين لتطوير أصناف محاسنة من البذور تكون مقاومة للجفاف والحرارة، مع إنشاء قاعدة بيانات زراعية مشتركة تساهم في وضع سياسات تكاملية دقيقة.
كما تم التأكيد على أن التكامل المنشود يعتمد على "التخصص الإنتاجي"، بحيث يتم إنتاج الحبوب واللحوم في السودان بتمويل وخبرة مصرية، ثم تُجرى عمليات التصنيع النهائي وإعادة التصدير من داخل الأراضي المصرية.
لوجستيات النقل وتسهيلات مالية لدعم الاستثمار الزراعي
اختتمت الندوة أعمالها بالتشديد على الجانب اللوجستي والمالي، حيث طالبت بتطوير شبكات النقل وسكك الحديد والموانئ النهرية عبر النيل، مع ضرورة تبسيط أو إلغاء الإجراءات الجمركية لتسهيل حركة التجارة البينية.
وعلى المستوى النقدي، وجه الخبراء نداءً عاجلاً للتنسيق بين البنكين المركزيين في مصر والسودان لتنظيم عمليات دخول وخروج النقد وتحسين بيئة الصرف، مطالبين الجانب السوداني بتوفير منصة معلوماتية شاملة حول التشريعات الاستثمارية المتاحة، بما يضمن تحويل هذه الإمكانات الكامنة إلى قطاعات إنتاجية فعلية تعزز المخزون الاستراتيجي للحبوب في كلا البلدين.