اشتري الآن وادفع لاحقًا.. فخ التقسيط في مصر يبتلع قيمة المرتبات
"قسّط براحتك"، "بدون مقدم".. شعارات براقة تبدو في ظاهرها كطوق نجاة للمواطن المثقل بأعباء الغلاء، لكن كواليسها تكشف عن تحول شركات التمويل الاستهلاكي في مصر إلى واحدة من أكثر الظواهر الاقتصادية والاجتماعية إثارة للجدل.
ملايين المواطنين وجدوا أنفسهم فجأة داخل حلقة مفرغة من الأقساط اللانهائية، لا لشراء سيارة أو شقة، بل لتغطية تكاليف الهواتف، والملابس، وحتى أساسيات الحياة اليومية.
طوفان المليارات
لم يعد التقسيط مجرد خيار بديل، بل تحول إلى تسونامي يلتهم السوق. الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية تكشف عن قفزة مرعبة؛ حيث تجاوزت قيمة التمويلات الاستهلاكية حاجز الـ 87 مليار جنيه خلال أول 11 شهراً من عام 2025 وحده، مصحوبة بنمو انفجاري في عدد العملاء تخطى 186%.
وفي قراءة أعمق للمؤشرات، ضخت هذه الشركات نحو 58 مليار جنيه في غضون نصف عام فقط لخدمة ما يزيد عن 7.2 مليون عميل، مما يعكس بوضوح كيف أصبحت هذه الديون المحرك الأساسي لحركة البيع والشراء.
ثقافة "اللايف ستايل"
تاريخياً، ارتبط التقسيط في الوعي المصري بالمناسبات الكبرى، مثل تجهيز العرائس أو شراء الأجهزة الكهربائية المعمرة والأثاث. أما اليوم، فقد حدث تحول هيكلي خطير، وتحول الدين الشهري من وسيلة لتأمين الضروريات إلى "أسلوب حياة" كامل. امتدت مظلة التقسيط لتلتهم كل شيء: من الهواتف الذكية الحديثة والملابس ذات العلامات التجارية الشهيرة، مروناً بتكاليف تشطيب الشقق والرحلات الترفيهية، وصولاً إلى فواتير البقالة والمصروفات المعيشية اليومية.
وهم القسط الصغير
المشكلة الحقيقية -كما يحللها خبراء الاقتصاد- لا تكمن في آلية التقسيط كأداة مالية، بل في "فخ الوهم" البصري الذي تسوقه الشركات. يبدو القسط الشهري معروضاً بمبلغ صغير ومغرٍ، لكن عند حساب القيمة الإجمالية للسلعة بعد إضافة الفوائد المركبة، والمصاريف الإدارية، ورسوم الاستعلام، يتكشف حجم الاستنزاف. على سبيل المثال، قد يقبل الشاب على شراء هاتف ذكي بسعر معلن 40 ألف جنيه، لينتهي به المطاف بعد عامين وقد سدد ما يقارب 60 أو 70 ألف جنيه، ليتحول هذا "القسط الصغير" إلى ثقب أسود يبتلع جزءاً ثابتاً من راتبه لسنوات.
تآكل القوة الشرائية
يربط المتخصصون بين تصاعد هذه الظاهرة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين؛ فالقفزات المتتالية في الأسعار لم توازيها زيادة مماثلة في الدخول، مما دفع الأسر والشباب إلى الهروب نحو شركات التمويل كبديل للسيولة النقدية المفقودة. ولم يتوقف الأمر عند حدود الحاجة؛ بل لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً تأجيرياً خطيراً عبر تكريس ثقافة "المظاهر" والتعلق بـ"البراندات"، مما دفع قطاعات واسعة للاقتراض والوقوع في الأسر المالي لمجرد الحفاظ على صورة اجتماعية معينة وسط الأقران.
فواتير الدعم النفسي
مع اتساع الرقعة الجغرافية للمستفيدين، بدأت منصات السوشيال ميديا تتحول إلى دفاتر عزاء مالي، حيث تفيض بقصص حية لشباب وعائلات داهمهم التعثر فجأة. أي هزة غير متوقعة، سواء كانت فقدان وظيفة، أو تأخر راتب، أو حالة صحية طارئة، كفيلة بهدم هذا التوازن المالي الهش. بالنسبة لكثيرين، لم تعد الأقساط مجرد بند في الميزانية، بل تحولت إلى ضغط نفسي وعصبي دائم، يرافقه رعب مستمر من غرامات التأخير والملاحقات القانونية من شركات التحصيل.
تحذيرات من الفقاعة الاستهلاكية
دق خبراء الاقتصاد والإعلام مؤخراً ناقوس الخطر من احتمالية تشكل "فقاعة استهلاكية" داخل السوق المصري نتيجة التوسع المفرط وغير المدروس في التمويل خارج القطاع المصرفي التقليدي. مكمن الخطر -وفقاً للمحللين- لا يظهر وقت الشراء والنشوة الاستهلاكية، بل يتبلور عند أول موجة تعثر جماعي في السداد، حيث تتحول الديون الصغيرة المتناثرة إلى أزمة سيولة ضخمة تضغط على جدار الاستقرار المالي للمجتمع ككل.
استعباد للدخول!
على الرغم من التحذيرات، تواصل شركات التمويل الاستهلاكي نموها القياسي، مستفيدة من بيئة خصبة متعطشة للسيولة، وإجراءات مرنة وسريعة تفتقر إليها البنوك التقليدية. ليبقى السؤال المصيري معلقاً في الأفق: هل نجحت هذه الشركات في ابتكار حلول مرنة لتسهيل حياة المصريين وسط الأزمة، أم أنها تحولت إلى فخ اقتصادي ناعم يستنزف جيوب المواطنين ويصادر رواتبهم ومستقبلهم شهراً بعد شهر؟