الأرض تفقد خصوبتها.. كيف يلتهم التصحر محاصيل الدلتا ويهدد لقمة عيش المصريين؟
يُعتبر التصحر أحد أبرز التحديات الاقتصادية والبيئية التي حظيت بإجماع دولي واسع لخطورتها المباشرة على مستقبل البشرية، مما دفع العالم لتكثيف التعاون على المستويات الدولية والإقليمية لصياغة خطط عمل متكاملة لحماية التربة من التدهور.
وتشير البيانات العلمية إلى أن الأراضي المهددة بالتصحر تُقدَّر بنحو 19% من إجمالي مساحة اليابسة في العالم، أي ما يعادل 30 مليون كيلومتر مربع، وتتركز أغلبها في المناطق الجافة وشبه الجافة نتيجة لسوء الإدارة البشرية والتغير المناخي.
ومحلياً، تقع مصر ضمن خريطة العالم للتصحر التي تضم 90 دولة؛ حيث تبلغ مساحة الأراضي المتدهورة بها نحو 813 ألف هكتار، تتركز غالبيتها في شمال الدلتا والفيوم وتُعرف علمياً بـ "الأراضي الهالومورفية"، مما جعل الحفاظ على التربة والمياه ركيزة أساسية للأمن القومي الغذائي والمائي للبلاد.
التفسير العلمي للتصحر وأبرز مظاهر تدهور التربة زراعياً
ينعكس مفهوم التصحر أو ما يُعرف علمياً بـ (Soil Degradation) في تدهور إنتاجية الأراضي الزراعية أو الرعوية في المناطق الجافة تدريجياً حتى تفقد قدرتها على العطاء، ولا يعني ذلك تحولها إلى رمال بالضرورة، بل قد تظل منزرعة ولكن بإنتاجية ضعيفة للغاية.
وتتعدد صور هذا التدهور في القطاع الزراعي؛ أبرزها تملح التربة الناتج عن الري بمياه مرتفعة الملوحة وسوء الصرف الذي يؤدي لرفع منسوب المياه الأرضية، بالإضافة إلى فقدان المادة العضوية بالتربة مما يقلل قدرتها على الاحتفاظ بالمياه ويفقرها غذائياً.
كما تشمل المظاهر انجراف الطبقة السطحية الخصبة بفعل الرياح والسيول، وتدهور الخواص الطبيعية للأرض لتصبح شديدة الصلابة وسيئة التهوية، فضلاً عن مخاطر زحف الرمال في المناطق المتاخمة للظهير الصحراوي.
المسببات الطبيعية والبشرية للأزمة وتداعياتها على الاستثمار الزراعي
تتشابك أسباب تدهور الأراضي بين عوامل طبيعية قهرية وأخرى بشرية ناجمة عن الممارسات الخاطئة؛ حيث تشمل الأسباب الطبيعية موجات الجفاف الحاد، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير نمط الأمطار، بينما تتمثل الأسباب البشرية في الإفراط في ري الغمر، وغياب شبكات الصرف المتطورة، والرعي الجائر، وتجريف التربة للبناء، والإسراف في استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية.
وتتسبب هذه العوامل مجتمعة في تداعيات اقتصادية وخيمة، تبدأ من فقدان الأراضي الخصبة وانخفاض العائد من الإنتاج الزراعي، مروراً بارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية نتيجة نقص المياه واستنزاف الآبار الجوفية، وصولاً إلى نقص المعروض من الغذاء واضطرار السكان للهجرة، بجانب زيادة حدة العواصف الترابية وتأثيرها السلبي على البيئة الاستثمارية.
المسؤولية المجتمعية والمبادرات القومية لمكافحة زحف التصحر
في إطار إقرار الأمم المتحدة ليوم 17 يونيو من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة التصحر والجفاف، تتجه السياسات الزراعية نحو نشر الوعي البيئي وتشجيع الزراعة المستدامة عبر آليات عملية تتطلب تضافر جهود الدولة والمواطنين، خاصة في المناطق الريفية والصحراوية.
ويبرز دور المزارع والمواطن محلياً في ترشيد استهلاك المياه عبر التحول إلى نظم الري الحديثة كالرش والتنقيط، والامتناع الكامل عن البناء على الأراضي الخصبة أو تجريفها.
كما يتطلب الصمود أمام هذه الظاهرة التوسع في زراعة الأشجار كمصدات للرياح لمنع زحف الرمال، والاعتماد على الأسمدة العضوية والكمبوست لتحسين خصوبة التربة، مع إدارة استصلاح الأراضي الصحراوية بوعي يمنع السحب الجائر للمياه الجوفية ويراعي زراعة محاصيل متحملة للملوحة، لضمان استدامة الإنتاج وتحقيق التوازن الاقتصادي.