من الغربية إلى إيطاليا.. صادرات الكتان المصري تسجل 107 ملايين دولار و 32 دولارا للمتر
تُشكل قرية "شبرا ملس" التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية نموذجاً فريداً للعناقيد الصناعية والزراعية المتكاملة في مصر، حيث نجحت في بسط سيطرتها على نحو 90% من إجمالي إنتاج الكتان المحلي، وهو ما يعادل ما بين 8% إلى 10% من إجمالي الإنتاج العالمي، لتضع مصر في المرتبة السادسة على خارطة التصدير الدولية للمحصول.
وتضم القرية بنية تحتية صناعية ضخمة تشمل 27 خط إنتاج ميكانيكي حديث لتكسير وتجهيز الكتان، بجانب مئات الورش التقليدية والشونات المتخصصة في عمليات التعطين، وتقود هذا القطاع الحيوي شركات عائلية كبرى مثل "شركة النيل للكتان"، ومجموعات "أبو عامر"، "العجيزي"، و"البرماوي"، بالتكامل مع مصانع الكتان التابعة لشركة طنطا للزيوت والصابون بقطاع الأعمال العام.
الطاقة الإنتاجية للكتان.. عوائد اقتصادية ضخمة واستغلال كامل للمكونات
ويسهم قطاع الألياف والصناعات التحويلية في مصر بمعدلات نمو قوية، إذ يبلغ حجم الإنتاج المحلي نحو 15 ألف طن من ألياف الكتان سنوياً، بمعدل إنتاجية يصل إلى نصف طن من الألياف لكل فدان، وذلك من إجمالي مساحة مزروعة بالجمهورية تتراوح بين 28 ألفاً و30 ألف فدان، والتي شهدت مؤخراً تمدداً زراعياً ملحوظاً بوصول المساحات المنزرعة في محافظة الشرقية وحدها إلى 4197 فداناً خلال عام 2026 بفضل عوائده المجزية وسهولة تسويقه.
وتتميز العملية الإنتاجية داخل مصانع القرية بالاستغلال الكامل للنبات دون مخلفات؛ حيث تمر الساق بمراحل "التعطين المائي" ثم "التكسير الميكانيكي" لفصل الألياف الطويلة الفاخرة التي تخطى سعر الطن منها في السوق المحلي حاجز الـ 100 ألف جنيه مصري، مما جعل المزارعين يطلقون عليه لقب "الذهب الأخضر".
صناعات تحويلية متعددة تدعم الاقتصاد المحلي من بذور الكتان
ولا تتوقف المكاسب الاقتصادية لهذا المحصول الاستراتيجي عند الألياف المستخدمة في الغزل والنسيج، بل تمتد لتشمل البذور التي يتراوح حجم إنتاجها السنوي بين 10.5 ألف إلى 15 ألف طن، والتي يتم عصرها لإنتاج "الزيت الحار" الغذائي، أو "الزيت المغلي" الذي يعد مكوناً أساسياً في صناعات البويات، الورنيش، وأحبار طباعة الصحف والعملات الورقية.
وفي إطار تعزيز الاقتصاد الدائري، تُستغل القشور الصلبة المتبقية (الكُسب) كأعلاف بروتينية عالية القيمة للماشية، في حين يتم كبس السيقان الخشبية حرارياً لإنتاج ألواح الخشب الحبيبي وألواح الـ MDF، مما يضاعف من ربحية الدورة الإنتاجية للمحصول.
أزمة القيمة المضافة وفجوة التصنيع والتصدير في سوق الكتان
ورغم هذه الطاقات الإنتاجية الهائلة، تكشف بيانات التجارة الدولية عن فجوة حادة في تحقيق القيمة المضافة؛ حيث توجه مصر ما بين 80% إلى 95% من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية في صورة مواد خام غير مصنعة، وبلغت قيمة صادرات الكتان الخام نحو 107.82 مليون دولار في عام 2025، تستحوذ الصين بمفردها على 76.4% منها بقيمة 82.44 مليون دولار، تليها الهند بقيمة 10.48 مليون دولار.
وفي المقابل، لم تسجل صادرات خيوط الكتان سوى 7.76 مليون دولار بمتوسط سعر 24.2 دولار للكيلو، بينما بلغت صادرات الأقمشة المنسوجة نحو 3.91 مليون دولار فقط، توجهت النسبة الأكبر منها إلى بيوت الأزياء الفاخرة في إيطاليا بنسبة 92.2% بقيمة 3.60 مليون دولار، وإسبانيا بنسبة 7.8% بقيمة 304 آلاف دولار، بمتوسط سعر تصديري بلغ 32 دولاراً للمتر المربع.
مفارقة استيرادية.. جودة الأقمشة المصرية ترفع أسعارها في أوروبا
وفرضت هذه الفجوة التصنيعية واقعاً سعرياً متناقضاً في السوق المصرية؛ فبينما يرتفع سعر المتر المربع من القماش المصري المصدر إلى أوروبا بمعدل 9.5% سنوياً محققاً 32 دولاراً للمتر بفضل جودته الفائقة، تضطر مصانع الملابس الجاهزة المحلية إلى سد العجز الاستيرادي عبر جلب أقمشة كتان تجارية رخيصة من الصين بمتوسط 23 دولاراً للمتر المربع.
ووفقاً للبيانات الرسمية لعام 2025، بلغت الفاتورة الإجمالية لاستيراد الأقمشة الكتانية نحو 8.45 مليون دولار، يضاف إليها استيراد كتان خام بقيمة 11.34 مليون دولار، مما يستدعي ضرورة تعميق التصنيع المحلي لتعظيم العوائد الدولارية ووقف نزيف العملة الصعبة.