سراب الأمان المطلق.. كيف تُخفي صناديق السيولة مخاطرها خلف شعارات التسويق؟

صناديق السيولة
صناديق السيولة

في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، وقفزات التضخم غير المسبوقة، وارتباك أسواق المال العالمية، تحولت صناديق السيولة النقدية إلى ما يشبه "أيقونة الأمان المالي" بالنسبة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

لافتات براقة تحمل شعارات مثل "احفظ أموالك بلا خوف" و"عوائد ثابتة دون مخاطرة" تغري الجمهور بالوقوع في فخ الثقة العمياء.

لكن مصطلح "المخاطرة الصفرية" الذي يرافق تسويق هذه الصناديق ليس سوى مغالطة اقتصادية كبرى؛ ففي أدبيات التمويل الحديث، لا يوجد استثمار بلا ثمن، ولا وعاء مالي يخلو تمامًا من الثغرات.

بين صناديق السيولة والأمان النسبي

تعتمد هذه الصناديق على استثمار أموال العملاء في محفظة شديدة التنويع من الأدوات قصيرة الأجل، أبرزها: أذون الخزانة الحكومية، وشهادات الإيداع البنكية، وأوراق تجارية لأجل لا يتجاوز 13 شهرًا، والاتفاقيات المعاد شراؤها (Repo).

الهدف المعلن هو حماية أصل المبلغ المستثمر، مع توفير سيولة فورية تمكن المستثمر من استرداد أمواله في أي لحظة، وهي باختصار "مخزن كفء للنقد" لأغراض إدارة الاحتياطيات التشغيلية، وليست محركًا لتوليد الثروة أو مواجهة التضخم على المدى الطويل.

المخاطر الكامنة خلف "صناديق السيولة"

لكن خلف هذا الستار الآمن ظاهريًا، تكمن ثلاثة أنواع من المخاطر الجوهرية التي لا تُذكر في النشرات التسويقية:

التآكل الصامت (التضخم): وهو أخطرها على الإطلاق، إذ تظل أرقام حسابك ثابتةً أو ترتفع بنسبة 3-4% سنويًا، بينما تتلاشى قوتك الشرائية بفعل تضخم يتجاوز 7 أو 10%، فأنت فعليًا تخسر المال ربحًا على الورق.

فخ فائدة: حساسية السعر العكسية أي تغير مفاجئ في السياسة النقدية – كرفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة بوتيرة سريعة – يؤدي إلى انخفاض القيمة السوقية لأذون الخزانة القديمة منخفضة العائد التي يحتفظ بها الصندوق، مسببًا خسائر رأسمالية مؤقتة واضطرابًا في صافي قيمة الأصول.

مخاطر السيولة والانهيار النظامي: في لحظات الذعر المالي الكبرى (كدروس 2008)، قد تضطرب سيولة حتى أكثر الأصول "أمانًا"، إذ تتعطل أسواق الأوراق التجارية فجأة. نموذج حي: انهيار صندوق "Reserve Primary Fund" الأمريكي عام 2008 بعد خسائره في ديون ليمان براذرز، مما تسبب في "كسر التعادل" (Break the Buck) واندلاع موجة استردادات جماعية كادت تشل أسواق المال العالمية.

وقد تكرر السيناريو بشكل أقل حدة في مارس 2020 مع جائحة كورونا، لولا تدخل البنوك المركزية بدعم استثنائي.

ما تبيعه المؤسسات المالية تحت مسمى "اقتصاد الطمأنينة" هو مجرد تبسيط مخل للواقع المالي. الاستثمار الواعي لا يلغي المخاطر بل يُديرها بوعي.

وصناديق السيولة هي أداة ممتازة للحفاظ على النقد لفترة قصيرة (أقل من سنة) وللسيولة التشغيلية، لكنها ليست بديلاً عن الودائع المؤمنة (التي تغطيها مؤسسات مثل FDIC حتى حد معين)، وليست أبدًا أداة لتنمية رأس المال أو بناء الثروة، لأن الأمان المطلق كلمة براقة، لكنها في عالم التمويل لا وجود لها.
 

تم نسخ الرابط