كيف تلتهم العوائد المتغيرة ثروات المودعين في صناديق السيولة؟
في الوقت الذي يبحث فيه المستثمرون عن "ملاذ آمن" يحمي مدخراتهم من تقلبات التضخم، برزت صناديق السيولة النقدية كخزينة استثمارية مفتوحة تُسوق على أنها "منعدمة المخاطر".
إلا أن واقع السوق والبيانات الرقابية الحديثة يدق ناقوس الخطر؛ فهذه الصناديق التي يهرع إليها المودعون بصفتها بديلاً ذهبياً للودائع، تخفي وراء بريقها "عائداً متغيراً" وقلاقل مالية قد تلتهم الأرباح فجأة، وتضع ثروات العملاء الشخصية تحت مقصلة التقلبات العنيفة، لتتحول من أداة تحوط إلى فخ مالي إذا لم تُدرك مخاطرها الخفية.
لغز العائد المتغير
تعتمد صناديق السيولة النقدية في تكوينها على أدوات دين قصيرة الأجل مثل أذون الخزانة والودائع وشهادات الادخار، وتهدف لتوفير سيولة يومية وعائد تراكمي.
ورغم خصائصها الجاذبة كالإعفاء الضريبي وسهولة الاستثمار بمبالغ بسيطة، إلا أن التاريخ المالي يكشف وجهاً مغايراً؛ ففي عام 2011 سجلت الصناديق المصرية خسائر إجمالية بلغت 18 مليار جنيه نتيجة أساليب إدارة غير فعالة وضعف المعايير، حيث إن "العائد" في هذه الصناديق ليس وعداً ثابتاً، بل هو مرآة لأداء السوق وأسعار الفائدة، وأي هزة في كفاءة الإدارة أو غياب الرقابة الكافية يحول "الأمان المعلن" إلى تراجع حاد في قيمة الوثائق، مما يثبت أن الاستثمار مهما بدا محمياً يظل رهينة لتقلبات السوق وسوء الإدارة.
الانهيار تحت ضغط "السحب الجماعي"
لم تعد المخاطر مجرد توقعات محلية، بل باتت نداءات تحذيرية عالمية؛ حيث حذر صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي لعام 2025 من أن صناديق السيولة أصبحت أكثر عرضة للانهيار نتيجة اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع الفائدة.
ويكمن الخطر الأكبر في "الضغط النفسي للمستثمرين"؛ فأي انخفاض مفاجئ في أسعار الأصول قد يدفع نحو عمليات "سحب جماعي" تفوق قدرة الصناديق المفتوحة على التسييل، وهو ما يعيد للأذهان كارثة الأزمة العالمية 2008 حين تعرضت أكبر الصناديق لما يعرف بـ"كسر الدولار"، حيث انخفضت قيمة الوحدة عن قيمتها الاسمية، مما استدعى تدخلات حكومية بمليارات الدولارات لترميم الثقة المنهارة.
صدمات أسعار الفائدة والسيولة
محلياً، تشير بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية المصرية لعامي 2025 و2026 إلى أن نمو صناديق السيولة قابله تشديد رقابي صارم بسبب حساسية هذا القطاع لأسعار الفائدة.
وتكمن المخاطرة في مصر في "الارتباط المباشر"؛ حيث تُلزم بعض الصناديق بتوسيع استثماراتها في البورصة وأدوات سوق المال، مما يجعلها عرضة للتذبذب الاقتصادي.
وفي فترات نقص السيولة، قد تُجبر هذه الصناديق على بيع أصولها في توقيتات كارثية لتلبية طلبات الاسترداد اليومية، وهو ما يخلق خسائر غير مباشرة لحملة الوثائق، ويضع المستثمر أمام "مفاجآت" غير سارة في العائد الفعلي الذي يتم تحصيله في نهاية المطاف.
فخ السوشيال ميديا
استغلت بعض المنصات الرقمية والمؤسسات المالية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل، لتسويق صناديق السيولة تحت ستار "الاستثمار الحلال والآمن".
ونجحت هذه الحملات في بناء "شعبوية ضخمة" من خلال اللعب على عاطفة المودعين، والراغبين في النأي بأنفسهم عن تقلبات سعر الدولار.
ورغم أن مؤسسات كبرى مثل "إن آي كابيتال" (NI Capital) و"إي إف جي هيرميس" قدمت نماذج ناجحة كصندوق "سيولة"، إلا أن الدعاية الرقمية المغرية غالباً ما تغفل الجوانب الفنية المعقدة والمخاطر الكامنة خلف الشراء والاسترداد اليومي.
الاستنزاف الصامت
بعيداً عن تقلبات السوق، هناك عدو داخلي ينهش في أموال المستثمرين يسمى "الرسوم الخفية"، فبينما يُروج لهذه الصناديق كبديل أفضل من الحسابات البنكية، يغيب عن وعي الكثيرين أن مصاريف الإدارة والتشغيل تُخصم بشكل مستمر ويومي من قيمة الوثيقة.
النتيجة هي "تباطؤ غير مرئي" في نمو رأس المال؛ فإذا كان الصندوق يحقق عائداً ظاهرياً بنسبة 10%، فإن الرسوم قد تهبط به فعلياً إلى 9% أو أقل، وعلى المدى الطويل، تتحول هذه الكسور البسيطة إلى فجوة هائلة في الأرباح، مما يجعل العائد الحقيقي أقل بكثير مما يبدو في النشرات الترويجية، ليظل الحساب البنكي التقليدي -رغم عائده الأقل- أكثر وضوحاً ومباشرة من "خدعة الأمان المرتفع" في الصناديق المفتوحة.